بقلم: رؤى عمر
العمل الفني: نور بسيسو
هذا المقال ملحق بعدد ميادين الإيماءات
هل يمثل الدور الاجتماعي للنساء قيمة مادية حيوية مؤثرة على حياة أسرهن بشكل حقيقي؟ لماذا إذاً يتضاءل حضور هذا التأثير المادي في مخيلتنا مقارنة بحضور الجوانب الاجتماعية الأخلاقية التربوية الخ؟ وحتى عندما نقرأ عبارة “العمل المنزلي غير المأجور” مثلا، هل يمكننا بشكل واضح تلمس تأثير هذا العمل على حياة الأسر اليومية؟ أم أننا نُضيعه بين أرقام الاقتصاد الكلية التي لا تعني في الحقيقة لنا شيئا؟
هذا المقال محاولة للإجابة..
بدأ تقسيم الأدوار الاجتماعية منذ أن بدأ الإنسان يكون جماعات صغيرة، وقد اتسم تقسيم الأدوار في البدايات بشيء من المرونة، بدون هرمية صارمة، حيث اهتم الرجال بمسألة الصيد، وكانت النساء تجمع الغذاء والثمار وتعتني بالأطفال، لضرورات حياتية استندت إلى عوامل بيولوجية، اتضحت الرؤية آنذاك لكيفية العمل بتكافل داخل المجتمعات الأولى، وتقول غيردا ليرنر بهذا الشأن “أن الانثربولجيات النسويات وجدن مجتمعات لا يتضمن فيها اللاتماثل الجنسي معنى للهيمنة او الخضوع، بالاحرى إن المهمات اللي اداها كلا الجنسين جوهرية لبقاء المجموعة، واعتبر الجنسين متساويان في معظم الوجوه موقعيهما، وفي مجتمعات كهذه اعتبر الجنسان متكاملين ؛ إن دوريهما وموقعهما مختلفان ولكنهما متساويان”.1
ومع اكتشاف الزراعة والاستقرار، بدأ تقسيم الأدوار بين الجنسين يكتسب شكلا مؤسسياً، وارتبطت النساء بالبيوت أكثر، واتجهت أسباب تقسيم الأدوار إلى أخذ منحى اجتماعي بدلًا من بيولوجي، فاستمر ربط النساء بالبيوت حتى بعد أن ضاقت الفوارق البيولوجية، و أصبحت طرق العمل المختلفة أقل اعتماداً على القوة الجسمانية. كما أن الدور الأمومي أصبح أقل حملًا وتقييدًا للنساء بفضل الحضانات والحليب الصناعي.
ورغم أن الأدوار فرضتها ظروف لها خصوصيتها لا بسبب أفضلية، إلا أن التيارات العنصرية2 استمرت بالظهور على مدار التاريخ وترديد أن دور النساء أقل قيمة، وبالتالي النساء أنفسهن أقل قيمة. وحال الرفض المجتمعي دون تغيير الأدوار، فاستمرت قيمة الرجل في ازدياد مقابل قيمة المرأة.
واذا ما تحقق الظلم، تبدأ بالضرورة الانتفاضات ضده. وكتمرحل طبيعي لإحساس النساء بالظلم والتحجيم، توالت الموجات النسوية بالتعالي مطالبة بالعدالة، في مجتمعات ترسخ في وعيها أن لربات البيوت دورًا نبيلًا، لكنه دور معنوي وواجب مجتمعي بلا قيمة مادية مقارنة بدور الرجال.
خلقت هذه الرؤية مفاهيم تفضيلية وتراتبية قيمية، أحالت وحدة المجتمع إلى نحن وأنتم.

الشرفة
أكريليك علىى قماش
كانت صديقتي تمر بأصعب فترة في حياتها بعد وفاة خالتها، فجلسنا ليلا في الشرفة نتباحث حزننا، كلانا
شعرنا بحضور خالتها، كما لو كانت سحبت كرسيا ثالثا وجلست معنا.
الكراسي البلاستيكية والنباتات في أصص، وسلحفات وإناء مقرمشات. شرفة ككثير من الشرفات. جلست النساء هذه
الجلسة من أجل أنفسهن، وابتكرن طرائق لحمل الحزن.
حتى في الحزن ونقل الإرث، تقوم النساء بهذا العمل ويتحملن عبء الرعاية العاطفية المصاحب له، ويقررن كيف يجري كل ذلك.
الصورة المميزة: ليالينا
أكريليك على قماش
ثلال صديقات منذ الطفولة، وورق لعب وشاي وسيجرة تحترق في المنفضة. تستلهم هذه اللوحة أمسياتنا التي نقضيعا سوية. حول طاولة اللعب نتشارك حياتنا ونشكو همومنا، ونبحث عن الدعم المالي والاجتماعي والعائلي. كل ذلك وسط البهجة وأصدق أشكال التقرب والألفة.
تجسدّ هذه الطاولة طريقتنا في التعامل مع أنظمة القمع التي تتوقع أن نعتمد عليها سواء في المال أو الحماية أو القرار.
تظل البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قائمة حتى بعد انتهاء اللعب. لكن ما يتغير هو أننا
لن نواجهها وحدنا بعد الآن. هو أسلوب البقاء الحياة داخل نظام لم يصمم لأجلنا.
وبهدف إنصاف ربات البيوت، يبرز سؤال مهم: هل قيمة دور المرأة الاجتماعي قيمة معنوية فقط، أم لها قيمة مادية قد تُقدر بمبالغ كبيرة ؟
أصبحت الأعمال المنزلية والرعائية اليوم جزءًا من الاقتصاد؛ تقدَّم كخدمات بمقابل مادي تحت مسميات وظيفية متعددة وحقوق عمالية وقطاع خاص ووجود في السوق العالمي، ورغم هذا التطور، لا تزال القيمة المادية لعمل ربات المنازل الرعائي غير مرئية، إذ تستهلك الأسر خدمات مجانية وتعيش في رفاهية لم تسَدّد قيمتها يومًا.
وبأخذ الزوجة المصرية نموذجًا، وبافتراض أن راتب الزوج يبلغ حوالي 15 ألف جنيه3، نجد أن دور المرأة الاجتماعي يوازي في السوق مجموعة من الوظائف (التنظيف – رعاية الأطفال – التدريس الخاص – الطبخ ). تتراوح تكلفة كل خدمة من 5 إلى 9 آلاف جنيه (حسب عدد من مكاتب التوظيف المحلية)4، أي أن قيمتها تتجاوز 20 ألف جنيه شهريًا، دون احتساب مهام أخرى لها مقابل واضح مثل ( رعاية كبار السن وجلب المياه في بعض المناطق والاعتناء بالمرضى والدخول في الأعمال الزراعية ).
إنّ استهلاك هذه الخدمات دون مقابل يخفض الكلفة المعيشية على الأسرة بفارق كبير، مما يمكّن الزوج من الإعالة بفضل ما توفره النساء من نفقات (زوجة – أم – أخت). ولأن هذه القيمة الاقتصادية غير مرئية، لا يزال يُنظر للمرأة كعبء، في حين أن غيابها قد يحمل الفرد تكلفة تعادل دخله كاملًا أو أكثر إذا ما أراد الحصول على نفس الخدمات من السوق.
تشير دراسة أجرتها تشوبرا وآخرون5، باستخدام بيانات نوعية وكمية تغطي أربع دول وعلى مدى ثلاث سنوات (2015– 2017) إلى أن النساء يعملن في مهام متعددة لمدة لا تقل عن 14 ساعة يوميًا. ولأن ربات البيوت يشغلن عدداً من الوظائف في آن واحد، فمن البديهي أن تقدّر القيمة المادية (لواجب النساء) الاجتماعي بمبالغ كبيرة.
عندما تجرّد النساء من أدوات كسب العيش، وتتعطل مهاراتهن عن مواكبة متطلبات العصر، لا يحول حينها بينهن وبين التشرد شيء سوى رضا الزوج أو رضا أفراد الأسرة النافذين حوله.

بطيخ وجبنة
اكريليك على قماش
استلهمت اللوحة عندما تذوقت فيها البطيخ مع الجبنة لأول مة، رفقة صديقة.
كانت أمي وخالاتي يتناولن هذا المجيز كل صيف، وفهمت أخيرا ما كن يتشاركنه طول سنين.
يمتد مفرش الطاولة إلى ما وراء حدود الكانفاز، ويمتلئ بكل ما ينتمي للطاولة: الكبة النية والفراولة وشمعة وزهرة وكرة تينس وحتى لوحة تصور طاولة أخرى.
تحتظن مائدة هذه فصول الصيف والحكايات والضحكات وأجيال نساء تقاسمن لحظة كهذه قبلنا.
هذه الحقيقة ليست مدعاة للفخر ولا للرقص حول المحرقة، لكونها سببًا مباشرًا في فقر الوقت الذي يسرق أعمار النساء، والذي يعني أن التمييز يستهدف الوقت أيضا، فالنساء في النظام الحالي يقفن على هامش الاقتصاد وأكثر عرضة للوقوع في هوة الفقر، لأن التقسيم الاجتماعي للعمل يحبسهن في دورة من الحرمان والعمل غير المأجور.
واستمرارًا لمحاولة إنصاف ربات البيوت، فالقيمة المادية التي توفرها النساء من العمل غير المأجور لا تمثل دعامة خفية للأسرة فقط، بل تدعم الاقتصاد ككل، وذلك بتقليل الأعباء المادية بالاستفادة من قيمة اقتصادية كبيرة غير مسجلة.
على الصعيد العالمي، وفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية6، فإن قيمة العمل غير المأجور في الرعاية والأعمال المنزلية يقدر بما يصل إلى 9 %من قيمة الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل 11 تريليون دولار سنويًا.
وعلى الصعيد الدولي، حتى في أكثر الدول تكافؤًا ومشاركة في العمل الرعائي، فالنساء لا يزلن يتحملن نصيبًا من الاتكالية المجتمعية.
وبناءا على هذا تتفاوت قيمة العمل غير المأجور بين 10 % في بعض الدول و30 % في دول أخرى، في الهند مثلًا، فالوقت الذي تقضيه النساء في العمل المنزلي غير المدفوع تقدر قيمته بما يعادل 39% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي، أي أن قيمته تفوق قيمة القطاع الصناعي الكلي.
ورغم هذه التقديرات المالية الكبيرة، إلا أن النظام الحالي غير ذكي، وبالطبع غير عادل أيضًا، حيث يجمع بين الفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية وهدر الإمكانيات البشرية.
ونستبصر هذا بوضوح من كونه نظاما نشطًا بالتمييز والتفاوت بسبب هيكلة اجتماعية تاريخية، ولا يحقق أيًا من معايير العدالة الاجتماعية التي تعني التوزيع المنصف للفرص والامتيازات والموارد والأعباء، وضمان تكافؤ المشاركة الفعالة لجميع المواطنين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ،ويؤدي تجاهل هذه الشروط وتراكم المظالم التاريخية وتوارثها جيلا بعد جيل إلى الانقسام وانعدام الاستقرار وضعف الروابط الاجتماعية.
في المجتمعات المسلمة مثلا، تشكلت الأدوار الاجتماعية للنساء داخل الأسرة من صميم العادة والعرف غير عابئة بالرأي السائد في الفقه الإسلامي، الذي يقر بأن الأعمال المنزلية والرضاعة ليستا واجبتين على الزوجة، في حين يلزم الزوج بالنفقة والسكن ومع ذلك استقر الواقع الاجتماعي على تحميل النساء هذه الأدوار بوصفها (معروفاً ودياً) رغم أنها في الحقيقة تأخذ طابعاً قهرياً دائماً.


أهذا سلام؟
أكريليك على قماش، لوحة مزدوجة
لوحتان وامرأتان، احداهما تقطع كعكة ميلاد، والأخرى تلف أوراق العنب. أهذا هو السلام؟
عنوان العمل مستلهم من أغنية أهذا سلام التي تطرح سؤال: أهذا ما يبدو عليه السلام وكذلك هو تحية لسلام، خالة صديقتي الراحلة، التي تواصل الحضور في لحظات الحزن والنعمة.
تتجاور الاحتفالات والحداد، والراحة والعمل في الغرفة نفسها، وتجمع النساء الحاضرات، وعلى الحائط قبة الصخرة شامخة وحرة.
لا بيت حر بلا نساء حرات، في صميم المقاومة، ينققلن الذاكرة ويتمسكن بالصمود.
والسؤال هنا :
كيف يمكن لعمل متواصل ومتعدد الوظائف يمتد طوال العمر أن يختزل في كونه مجرد معروف ودي؟
وكنتيجة :
س / ص / ع :
بعد سنوات من الاستثمار غير المرئي وبذل العمر في خدمة الأسرة والمجتمع، تجد النساء أنفسهن أمام احتمال التشرد.
وليس في الأمر مبالغة!
فعندما يجردن من أدوات كسب العيش، وتتعطل مهاراتهن عن مواكبة متطلبات العصر، لا يحول حينها بينهن وبين التشرد شيء سوا رضا الزوج، أو رضا أفراد الأسرة النافذين حوله.
س / ص / ع دائما ما يجبرن هنا بحكم الواقع على الرضوخ، في رهانٍ على استمرار هذا الأمان الهش المؤقت، وتقبل وضع المعنفة خوفاً من وضع المشردة.
الأعمال المنزلية في الأصل هي مجموعة من المهام الشخصية الصغيرة، لكن تكديسها على فرد واحد في الأسرة يؤدي إلى التضييق عليه اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا. ومن الشائع في ثقافتنا العامة أن الأدوار الاجتماعية بشكلها الحالي هي نتيجة لقرارات اتُّخذت من أجل الصالح العام. وإن كانت مصلحة المجتمع هي القيمة العليا فعلًا، لا يمكن أن تُبنى على ركائز الظلم، بل على أكتاف متساوية تحمل عواميد المصلحة الاجتماعية، وإلا أصبحت مصلحة آنية ( بحسابات التاريخ) لجزء من المجتمع فقط.
عن الفنانة
نور بسيسو، فنانة مقيمة في عمان، الأردن. تشتغل في مجالات التشكيل والطين والخشب والأغراض المعثور عليها. تنطلق لوحاتها من قصاصات قماش الرسم غير المربوطة في إطار، تنسقها في مشاهد، وهي مهارة ترجع لخلفيتها في تصميم ديكور المسرح. يُبنى كل عمل عبر طرح أسئلة، لا على الشخصية فحسب، بل كذلك على الذاكرة والأرشيف والتاريخ الكامن وراءها. إلى أن تطفو التفاصيل على السطح وتشير إلى موضوع غامر في الاختفاء، أو تعليق اجتماعي وسياسي وثقافي.
تلقت نور تدريبها في مدرسة الفنون البصرية في نيويورك، وعرضت أعمالها في بينالي الدرعية للفن المعاصر، متحف سونك كوك للفنون بسيول، وغاليري وادي فِنان. شاركت في إقامات فنية بأوكا دبي، و أري هولندا.
ملاحظة حول الأعمال الفنية
جميع الشخصيات نساء عمدًا، إذ حضيت بالرعاية من النساء طول حياتي، وشهدتهن يتولين زمام الأمور ويقدن من حولهن. في هرم الأبوية والسلطة، يتحمل من في القاعدة ثقل البناء. أما ما تبنيه النساء فهو حلقة تحتضن كبار السن والأطفال والفئات الأكثر هشاشة في حضنها، وتجد فيها سندا للآخرين، ويتكفل كل فرد برعاية الآخر.
هذه الطاولات والشرفات هي المساحات التي تلتقي فيها الحلقة، ليست حكاية هامشية للحياة الاأسرية أو الاقتصاد، بل ما يبقيها قائمة.
- غيردا ليرنر، نشأة النظام الأبوي، ترجمة أسامة إسبر، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013، ص. 48. (الكتاب الأصلي: دار جامعة أوكسفورد، 1986).
- اخترت هنا استخدام وصف “عنصرية” لا بالمعنى العرقي الضيق، بل بمعناه الاوسع الذي يشير إلى بناء تراتبية وتمييز على أساس الهوية. ارى ان هذا الوصف أكثر تعبيرا عن البنية الإقصائية تجاه النساء من مصطلح “كراهية النساء” لأنه لم يترسخ بعد في وعي مجتمعاتنا بشكل يجعله ادانة مؤثرة.
- وهو أعلى من المتوسط بحسب CAPMAS 2023 (الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، النشرة السنوية لإحصاءات التوظيف والأجور وساعات العمل 2023، القاهرة:الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء).
- لم نتحصل على الإذن لنشر اسماء المكاتب
- No Time to Rest: Women’s Lived Experiences of Balancing Paid Work and Unpaid Care Work, Institute of Development Studies, 2017.
تشوبرا، د. وزامبيللي، إ.، لا وقت للراحة: تجاربالنساء في موازنة العمل المدفوع والعمل غير المدفوع للعناية، برايتون: معهد الدراسات التنموية - ILO
