كلمات وأعمال فنية: سليمان سليمان
هذا المقال من عدد ميادين الإيماءات
ينطلق هذا النص من قلب الأطروحة التي أعمل عليها: «من النزوح إلى الشرنقة»، محاولة قراءة التحوّل الجسدي والوجودي في التجربة الفنية الفلسطينية والعربية بوصفه أثرًا مباشرًا للتهجير، لا كصورة جانبية له. فالنزوح ليس حركة مكانية، بل عملية تمزّق تُفرض على الجسد أولًا، قبل أن تمسّ البيت، اللغة، أو التاريخ. وكل تحوّل جسدي في الفن المعاصر يبدو، في جوهره، محاولة لابتكار شكل جديد يمكنه حمل هذا الشرخ دون أن ينهار.
الجسد كموضع للتمزّق وإعادة التجلّد
منذ اللحظة التي يُجبر فيها الإنسان على مغادرة المكان الذي تعرف عليه، يبدأ الجسد في الانسلاخ. ليس انسلاخًا بيولوجيًا، بل تفككًا في الإحساس، في الذاكرة، في القدرة على التعرف على الذات. الجسد المقتلع يحمل داخله طبقات من المكان المفقود، لكنه يتعلم ببطء، أن يخلق لنفسه جلدًا آخر. هذا الجلد الجديد هو ما أسميه “الشرنقة”: غلاف هشّ، مؤقت، يسمح بالاستمرار، دون أن يعد بأي ولادة مكتملة. إنه شكل يعكس حالة إنسان يعيش بين مكانين، بين زمنين، بين اسمين، دون أن يجد صيغة نهائية لوجوده.
الممارسات الفنية والجسد غير المستقر
في هذا السياق، تعمل الكثير من الممارسات الفنية العربية على إظهار الجسد كمساحة لا تعرف الاستقرار. الجسد لا يعود موضوعًا للتمثيل، بل موقعًا سياسيًا ــ موقع تُكتب عليه آثار الهروب، الانتظار، والعودة المؤجلة. بعض الأعمال تُظهر الجسد وكأنه يذوب داخل الصور، يختفي في الضوء، أو يتشقق كما لو أنه طبقة من الجصّ على وشك السقوط. أعمال أخرى تعيد تشكيل ملامح الوجه حتى يصبح بلا ملامح، أو تتلاعب بحضوره داخل الفيديو ليظهر وكأنه يسافر داخل زمن لا يتطابق مع زمن العالم الخارجي.
الثقل الوجودي للتحوّل
كل هذا التحوّل ليس جماليًا، بل وجوديًا. فالفنان الذي يعيش أثر النزوح لا يحاول إعادة إنتاج الواقع، بل يكشف ما فعله الواقع بالجسد: كيف جعله متحركًا رغمًا عنه، مشطورًا بين ضفتين، قلقًا حتى وهو ساكن. وهنا، تصبح الصورة وسيلة لالتقاط ما لا يمكن التعبير عنه بالكلمات؛ المسافة بين الجسد كما كان، والجسد كما أصبح.
الوجه كساحة صراع الهوية
تظهر العلاقة بين النزوح والتحوّل بوضوح في الأعمال التي تتعامل مع الوجه باعتباره آخر المكان الأخير الرافض للاستسلام. الوجه في الفن العربي المعاصر ليس مرآة، ولا اعترافًا بالذات، بل بقايا صراع. يختفي أحيانًا تحت الظلال، يتم مسحه أو تعريضه للضباب، أو يُترك معلّقًا بين الظهور والاختفاء، كما لو أن الهوية نفسها أصبحت فعل مقاومة. في هذا النوع من الممارسات، لا يحاول الفنان حماية ملامحه بقدر ما يحاول تحريرها من السلطة التي تحوّل الوجه إلى ختم، أو إلى بطاقة تُقرأ بدل أن تُعاش.
الأجساد الرقمية وأشكال المنفى الجديدة
حتى الجسد الرقمي، الذي يتشكل عبر الشاشات والبيكسلات، يحمل ملامح النزوح. فهو جسد يتكرر حتى يتلاشى، أو ينفصل عن صاحبه ليعيش حياته الخاصة، كأن التقنية منحت الجسد شكلًا جديدًا من اللجوء إلى فضاء لا تعترف به الحدود، لكنه أيضًا محاط بخطر الاختفاء الكامل. هذا الجسد الرقمي ليس نسخة عن الأصل، بل استمرار له بعد أن خسر شكله الأول.
الشرنقة كحالة صيرورة معلّقة
الشرنقة، كما أعرضها في الأطروحة، ليست وعدًا بالتحوّل نحو اكتمال نهائي، بل مساحة انتقال. الجسد داخلها لا يعرف بعد الشخصية التي سيصبحها، ولا يبحث عن يقين. إنه يختبر احتمالًا واحدًا فقط: أن يظل قادرًا على حمل نفسه. أن يبقى، حتى وإن كان بقوام جديد، غير مكتمل، غير محسوم.
نحو أمثلة متجسّدة ومرتكزات فنية
ولهذا يحتاج النص إلى أعمال فنية تُدرج لاحقًا كأمثلة متجسدة لهذا التحليل؛ أعمال تتعامل مع الذاكرة الجسدية للمنفى، مع الوجه المتشقق، مع الجسد الذي يختفي لحماية ذاته، أو الذي يتحول إلى وثيقة تكشف عنف الرحلة أكثر من كشفها شكل الراكب. هذه الأعمال ستكون نقطة الارتكاز التي تُظهر انتقال الجسد من النزوح إلى الشرنقة، حيث يصبح التحوّل نفسه نوعًا من المقاومة.
منطقة الصيرورة الرمادية
في النهاية، لا يحاول هذا المشروع تحديد شكل الجسد بعد النزوح، بل فهم لحظة التحوّل نفسها: تلك اللحظة التي يكون فيها الإنسان قد غادر المكان، لكنه لم يصل بعد إلى مكان آخر. لحظة يتعلم فيها الجسد أن يتحرك دون أن ينكسر، وأن يحتفظ بقدرته على التغيّر حتى داخل أقسى الظروف.
هذه المنطقة الرمادية بين الاقتلاع وإعادة التشكّل هي ما أرغب في استكشافه، وهي المساحة التي يتحرك فيها الفن العربي اليوم: مساحة لا تبحث عن هوية كاملة، بل عن جسد يمكنه العيش رغم كل ما خسره، وكل ما اضطر على تركه.
داخل الشرقية


عبور بلا نهاية
حافة التفكك


ذاكرة مشوّهة
قيد التحوّل


تفكك صامت
