English

بقلم: ديالا لطيف
تصوير: محمد عبدوني
إخراج إبداعي: محمد عبدوني
مساعد إبداعي: محمد ياسين
 شعر: رماح جمول
Alexandre Paulikevitch :مكياج
هذا المقابلة من عدد ميادين الإيماءات

عليهم! صرخة بسيطة بات يُعرف بها الراقص ألكسندر بوليكيفيتش. عليهم! أي أنه سيُقدّم عرضه رغم تهديدات الجماعات المتطرفة. عليهم! أي لنواجه القوى الأمنية التي تحاول قمع الاحتجاج. أو ببساطة: عليهم! أي لنرقص، لمجرد أن نكون.

ألكسندر بوليكيفيتش، بلا شكّ، واحد من أكثر راقصي البلدي تأثيراً في عصرنا، وقد شكّلت مسيرته الفنية التي امتدت ثلاثةً وعشرين عاماً راقصاً ومصمم رقصات، بالقدر ذاته، موهبةٌ فنية والتزام في النضال سياسي.بدأ بوليكيفيتش، الذي ولد ونشأ في لبنان، مسيرته المهنية في فرنسا قبل أن يعود إلى بلده الأم حيث يعيش حتى اليوم. ألكس – كما يناديه أصدقاؤه – فنان رائد بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد مهد الطريق أمام الكثيرين ليسيروا على خطاه، وهو فنان معروف قدم عروضه في عدة بلدان، وهو أول راقص يقدم عروض الرقص البلدي في مهرجانات دولية كبرى، من بينها مهرجان أفينيون1 وعرضا استمر لمدة أربع وعشرين ساعة في بينالي ساو باولو السادس والثلاثين2 في وقت سابق من هذا العام. ربما يكون أفضل شيء يجسد نهجه في هذا النوع من الفن هو اختياره للمصطلحات؛ فهو يستخدم مصطلح “الرقص البلدي” على عكس التسمية الأكثر شيوعاً “الرقص الشرقي” التي يرفضها ألكس بقوة لما تنطوي عليه من إرث استعماري. يتحدى هذا الفنان الكويري المعايير الجندرية بجرأة ويستعيد المساحة التي كانت متاحة للراقصين الذكور في هذا العالم، وفي الوقت نفسه يستند في عمله كله إلى روح التحرر من الاستعمار. يرى أنه يجب العودة بالرقص إلى اسمه الأصلي الذي أطلقه عليه المصريون أنفسهم: الرقص البلدي. كل شيء يفعله ألكس هو في جوهره استعادة لهذا الشكل الفني، الذي هو فني وسياسي في آن معا.

اليوم، أريد أن أقدم لكم ألكس كما أراه. لا زلت أتذكر بوضوح المرة الأولى التي دخلت فيها صف الرقص الذي كان يقدمه في صيف عام 2013، وقد أذهلني حضوره على الفور؛ فهو يتمتع بجاذبية فنان قوية تجعلك تحبه وتحترمه في آنٍ واحد، وهذا مزيج نادراً ما يجتمع في مدرس . حظيت على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية بفرصة هائلة للنضج ليس فقط بصفتي تلميزة لديه، ولكن أيضاً بصفتي صديقته، ورفيقته في النضال السياسي  وقبل كل شيء، بصفتي واحدة من أشد المعجبين بفنه. وبسبب قربي من ألكس، شهدت جوانب عديدة من شخصيته، لكن الدرس الأكبر الذي تعلمته منه هو نهجه نفسه. بالنسبة له، الرقص البلدي هو مجال اختصاصه وممارسته، جسر بين النظرية والتطبيق. عندما سألته كيف يحافظ على هذه الممارسة رغم العنف والمحو، كان جوابه بسيطا للغاية: المواجهة؛ فغالبا ما يشعر الآخرون بالذهول والصدمة عندما نثبت على موقفنا. 

أحاول في حوارنا التالي تحليل ممارسته الفنية وتسليط الضوء على منهجه، المنهج الذي أعتقد أنه سيؤثر بعمق في كل من يسعى إلى مقاومة الظلم في مجاله؛ ففي وقت يشعر فيه الكثيرون في المنطقة الناطقة بالعربية باليأس والعجز، أدعوكم/ن إلى النظر إلى هذا المنهج باعتباره منهج بوليكيفيتش للمقاومة عبر المواجهة.

قبل أن أنتقل إلى حديثي مع ألكس، أود أن أتحدث قليلا عن الصور الفوتوغرافية التي التقطها المصور الموهوب محمد عبدوني والتي ترافق هذا المقال. التقطت هذه الصور داخل بيت  بيروتي، وتستوحي جمالياتها من مزيج بين فن الروكوكو3 الفرنسي وفن البوتو4 الياباني، واختيار هذين اللونين من الفن ليس محض صدفة؛ في استعادتهما لجماليات الروكوكو، يذكّرنا الفنانان بأن الفرنسيين أنفسهم استلهموا من الثقافة العربية في زمن نشأة هذا الأسلوب. يقف ألكس بتحدٍّ، وجهه مطليٌّ بالأبيض الصارخ، مستعيداً هذه الجماليات بشروطها الخاصة. أما تأثير البوتو، فيشير الى التوتر القائم بين الحياة والموت، أو كما يقول ألكس: لا شيء يخرج من منطقتنا في زمن الإبادة والحرب دون أن يحمل ظلاً من أظلال الأشباح. في أقسى أيام الشتاء، يجد ألكس الجمال والمقاومة في الموت نفسه. عليهُم!

لنبدأ من البداية. أريدك أن تحدثني عن المكان الذي نشأت فيه وكيف قادك ذلك كله إلى حب الرقص.
نشأت في أجواء الحرب [الأهلية] والملاجئ التي كان يحتمي بها الناس من تبعاتها، وللأسف تلعب الحرب دورا كبيرا في تشكيل حياة الناس في لبنان. في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات لم يكن هناك إنترنت أو ما شابه، لكن كانت صور الرقص مبهرة جدا لي وأنا طفل، وكذلك الراقصات أمثال هويدا الهاشم وداني بسترس  وملابسهن البراقة التي كان أول شيء لفت انتباهي، ثم ظهرت دينا على الساحة، وكان هناك نوع من الصدمة البصرية، لنقل، وانطبعت صورهن والمشاهد التي كنت أراها في ذهني. في وقت الحرب الأهلية، لم يكن من الممكن طبعا الالتحاق بصفوف للرقص، كما أن ثقافتنا لا تسمح للفتيان بالرقص إلا حتى سن معينة، ربما حتى سن الخامسة، وبعد هذه السن يرون أنهم يجب أن يكبروا ليصبحوا رجالا، ويبدأ أيضا تلقينهم على الأشياء التي تجعل منهم رجالا، لهذا كنت أرقص وأنا طفل صغير. ، وأتذكر […] مطعم نهر الفنون، الذي كان يملكه سيمون أسمر والذي كان يقام فيه مهرجان للرقص الشرقي وكنا نشاهد المهرجان عبر التلفاز، وكنت أرقص وكانت العائلة تفرح برقصي. لكني أتذكر أيضا أن أمي كانت قد اشترت رداءين للنوم (روب دو شامبر) ، أحدهما زهري والآخر أخضر، أخذت أختي الزهري وأخذت أنا الأخضر، وكنت أركض به في المنزل وهو يطير ورائي. لم يعجب ذلك أبي لأنه لم يكن يريد لابنه أن يصير امرأة. وهكذا قمعت رغبتي بالرقص، ولهذا تحدثت عن الصورة والعناصر البصرية فيما يتعلق بالرقص؛ فقد منعت من الرقص وأنا في سن صغيرة للغاية بسبب القمع الذي يقوم به الرجل الشرقي وبسبب الذكورية السامة. تعرضت رغباتي للقمع وقمعتها أنا أيضا، لكن صور الراقصات ظلت عالقة في ذهني.

إذا نحينا الطفولة جانبا، متى قررت أنك تريد الرقص؟
عام 2003 تقريبا. كان عمري إحدى وعشرون عاما، أو ربما اثنان وعشرون، [عمر] متأخر للرقص. 

غير أن مرحلة المراهقة كان بها شيئا من التحدي، كنا نرقص بالحفلات وما شابه. كان هناك مكان نذهب إليه لنرقص، لا أتذكر اسمه تحديدا الآن. بالطبع، لم نكن نعرف كيف نرقص، لكننا كنا نظن أننا نرقص أفضل من النساء. أنا نفسي كنت أظن أنني أجيد الرقص ولا أحتاج إلى الالتحاق بأي صف لتعلمه. […] كنا نذهب كمجموعة لنرقص معا، وكان جميع أفراد المجموعة مثليين، رغم إصرار البعض على عدم الاعتراف بميولهم، لكن لا يهم! على أي حال لا أعتبر ذلك قرارا بالرقص؛ فقد كنت لا أزال مراهقاً. كان يعبر عن رغبة معينة بداخلي، لكنه لم يكن قرارا واعيا. كان هناك فعل ورغبة في فرض الوجود، حتى مع عدم إجادة الرقص. كنت أخلق مساحة لنفسي وأفرض وجودي […] بل إثبات الذات والوجود؛ فنحن نعيش في مجتمع يرفض كل شيء ويؤمن بأن المشكلة بك أنت، إذا كنت مثليا، حتى من منظور الدين، يخبرك الجميع أن الله يكرهك وأنك شاذ وأنك تستحق الحرق وما إلى هناك. يرى الجميع أن المشكلة بك أنت: العائلة والمدرسة والمجتمع حتى يصل المرء إلى مرحلة يرفض فيها ذلك كله ويعلن وجوده. 

يجب أن ينمي الشخص التحدي داخله وإلا سيفقد نفسه. المواجهة ليست سهلة وليس الجميع قادرين على المواجهة. المواجهة قاسية، لكن الطريقة التي تربيت بها علمتني ألا أخاف، كما منحني أهلي القوة بتعليمي أن أعبر عما أراه صحيحا أو ما أؤمن به حتى لو تغيرت قناعتي فيما بعد، المهم أنه طالما أن لدي قناعة بأنني لا أفعل شيئا خاطئا ولا أؤذي أحدا، فلا يجب أن أخاف. وهكذا منحتني تربيتي القدرة على المواجهة والصلابة لمواجهة المجتمع. يظن المجتمع أننا شواذ ومرضى، لا يهم، هذه حقيقتنا ولا يهم رأيهم إطلاقا، ولهذا كان الرقص في مرحلة المراهقة إثباتا لوجودي.

Top, Skirt; Renaissance Renaisssance. Photographed by Mohamad Abdouni. Hair by Remah Jammoul. Makeup by Alexandre Paulikevitch.

أنت نشأت في بيئة  يمينية محافظة، فكيف أثرت خلفيتك ونشأتك المسيحية على وعيك السياسي؟ وكيف صرت الشخص اليساري المناصر الذي أنت عليه اليوم؟
لا بد من الثورة على الوضع وعلى النفس، وإلا لن نتمكن من فعل شيء يذكر، وإذا تماهينا مع بيئتنا لن نتمكن التطور، وحتى أتطور كان يجب أن أثور على كل شيء تعلمته من أهلي. ثرت على كل شيء رأيته وعشته حتى أتمكن من تطوير فكري اليساري. عندما تركت لبنان وذهبت إلى فرنسا […] فقد أثر في اليسار الفرنسي للغاية، لم يؤثر في اليسار اللبناني بهذا القدر، وكذلك نشاطي بالجامعة، فقد درست القانون بالسوربون، وأثرت هذه الدراسة على وعيي السياسي، ثم درست إدارة الفنادق ثم الرقص، لكني تعلمت المسرح والرقص بجامعة يسارية اسمها “جامعة باريس فانسين”5 التي أسست من فكر آيار 1968 وكان يعلم فيها الفيلسوف جيل دولوز، وهكذا تعلمت الكثير.[…] بدأ الفكر اليساري يتسرب إلي. 

هناك كتاب أثر في بشكل خاص وهو “المراقبة والمعاقبة”6 لميشال فوكو، وفيه يعيد النظر في السلطة وكيف كانت تتركز في جسد الملك وكيف نشأت الشرطة والسجن وكيف تطورت السلطة من مستشفيات النفسية وصولا إلى المخابرات، ويمكننا الآن النظر إلى السلطة في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وإلى السياسة الحيوية؛ فقد رأينا ما حدث أثناء جائحة كورونا من هيمنة وسيطرة على الناس، وكيف تتغير وتتطور. أعدت النظر حتى في مفهوم الأمومة وما هي الأمومة والأفكار التي تنشأ على أنها منزلة، وغريزة الأمومة أيضا، فإليزابيث بادينتر، مثلا تقول في كتابها “حب الأم”7 أنه لا يوجد شي اسمه غريزة الأمومة وأنها مجرد تركيبة سياسية اجتماعية وبدأت أفكر في معنى ذلك. لن أطيل الحديث عن هذا الكتاب، لكني قرأت الكثير من الكتب التي أثرت في وغيرت تفكيري, وكلها نابعة من فكر أيار 1968. 

 يتسم الفرنسيون أيضا بشيء أحبه كثيرا، هو روح الثورة. بالطبع، لم تكن ثوريتهم مثالية؛ فقد نتجت عنها كوارث، لكن هناك تجربة بعينها أحبها كثيرا، تجربة كانت جزءا من تاريخ باريس لكن الجميع يصر على محوها، “كومونة باريس”؛ فقد كانت تبهرني هذه التجربة بالأخص في المساواة بين الرجال والنساء، وقد شارك فيها كتاب مثل لويز ميشال وآرثر رامبو، وقد اكتشفت لاحقا أن رامبو والشاعر بول فرلان كانا حبيبين. كنت قد درست قصائد فرلان في البكالوريا لكني لم أعلم وقتها أنه كان مثليا أو أن قصائده كانت موجهة لرامبو، وهكذا اكتسبت المعرفة واستطعت الانفتاح على العالم، وتعلمت الكثير من روح الثورة هذه، التي هي مهمة كثيرا لهم. 

كيف تبلور هذا الانفتاح الأيديولوجي والسياسي إلى الرقص؟
سأحكي لك قصة تلخص تأثير الفكر اليساري علي، وهي تتمحور حول سؤال سألتني اياه معلمتي. سألتني صديقة لي بقسم الرقص، بعد أن تركت دراسة القانون والتحقت بصفوف للرقص، عن تمريناتي فقلت لها إنني أتمرن على الرقص الشرقي، وعندها نظرت إلي معلمتي مدام إيزابيل لونيه وقالت: الرقص الذي يُسمى «الشرقي»،  شرقيون بالنسبة لمن؟ فكر قليلاً أكثر!  وبعدها بعشر سنوات التقيت بها في إحدى الفعاليات التي كنت أتحدث فيها. رأيتها بين الجمهور، فخاطبتها قائلا: “بيننا اليوم شخص أريد أن أتوجه بالشكر له، مدام إيزابيل، وأقول لها إنني اليوم أسميه الرقص البلدي وليس الرقص الشرقي، بفضل سؤالها الذي وضح لي أننا ننتمي إلى الشرق مقارنة بأوروبا التي تعتبر نفسها مركز العالم، والتي قررت أن تصنفنا على أننا الشرق القريب والشرق الأوسط والشرق الأقصى بالنسبة لها. “. فكري كله تشكل في الجامعات الفرنسية، والفرنسيون يوجهون النقد لأنفسهم، وقد كانت امرأة فرنسية هي التي عرفتني بمفهوم ما بعد الاستعمارية، ولم يكن لدي أي وعي سابق بها. لن أنسى ما فعلته معي إيزابيل لونيه, وكان تصرفها هذا شكلا من أشكال المقاومة.

عدت إلى لبنان بعد الحرب في عام 2006، لماذا قررت العودة؟ ماذا حدث عندها لمسيرة الرقص؟
كانت الناس تغادر البلاد وأنا قررت العودة. كانت أمي مصابة بالسرطان وعلى وشك الموت. تركت كل شيء ورائي وعدت إلى لبنان حتى أبقى بجوارها. توقفت عن الرقص حتى توفت أمي، لأن الأولوية كانت للبقاء معها والاعتناء بها. 

كنت أريد أيضا التعرف على الجنوب ومعرفة ما فعلته إسرائيل به. لم أكن أعرف الجنوب جيدا. في ذلك الوقت، كانت قد ظهرت حركة صامدون وكان لدي أصدقاء يعملون بالأمم المتحدة ولديهم بيوت في صور. كنا نذهب إلى صور في كل عطلة أسبوعية واستكشفنا الجنوب كله. ما رأيته في مدينة بنت جبيل كان صدمة كبيرة لي؛ فلم أكن أتوقع حجم الدمار. كنت أريد أن أعرف ما هي القصص التي يمكن أن يحكيها الرقص، وفي خضم أبحاثي حول الطريقة التي يمكنني أن أطور بها الرقص البلدي، كنت أفكر فيما إذا بإمكان الرقص أن يحكي قصص الحزن والحرب والموت أم أن الأمر يقتصر على الإغراء فحسب. 

كان ذلك في عام 2006، وكان هذا هو الوقت الذي بدأت أتأمل فيه في تفكيك مفهوم الرقص البلدي، والذي أدى في عام 2009، الى عرض “محاولة أولى”، وهكذا بدأت فكرة تفكيك الرقص البلدي بعام 2006 أو تفكيك الرقص الشرقي، لكنني لم أكن قد استعمل مصطلح الرقص البلدي في ذلك الوقت. صدفت كنت أقضي السهرة بحانة “بارومتر” (في شارع الحمرا، بيروت) عندما بدأت أغنية “شك شاك شو” وانتبهت لكلماتها: “شيك شاك شوك، شيك شاك شوك اترك يا حبيبي الراب والروك وتعالى نرقص بلدي، حلاوة”، وعندها أدركت شيئا أن مختلف المطربين مثل عدوية ونجوى كرم ورامي عياش، يستخدمون مصطلح “بلدي” وليس “شرقي” في أغانيهم وأنه لا يوجد في لغتنا شيء اسمه “الرقص الشرقي” بل “الرقص البلدي”، وعندها بدأت أفكك بالرقص من التسمية إلى الخطاب، والرقص نفسه. وكانت الفترة من 2006 حتى 2009 فترة أبحاث متعمقة في كل هذه المفاهيم.

لنتحدث عن ممارسة الرجال للرقص؛ فأنت لست أول رجل يفعل ذلك.
الدور الكلاسيكي للرجل هو دور المدرب. الرجال العرب يرقصون لكن ضمن حدود، ما عدا بالمغرب؛ فثقافتهم مختلفة، يمكنك رؤية الرجال يرقصون بساحة جامع الفنا بمراكش، ولكنها تقاليد من ثقافة البربر. ففي مصر مثلا يرقص الرجال في الأفراح الشعبية ولا يجدون ضررا في ذلك، لا يرون في الرقص عيبا طالما أنك لا تحترفينه أو تمتهنه. يرقص الرجال وهم يرتدون الجلابية ولا مشكلة في ذلك، طالما أنك لا تتجاوزين الحدود ولا تتخطى  الحدود، كأن ترتدي ملابس مزينة بالخرز (الترتر) مثلا، فالمجتمع يسمح لك بالرقص.

إذا أردنا العس في المجتمع وبين الناس علينا أن نظهر على سجيّتنا، كما نحن، وأن نجعلهم يعتادون شكلنا ومظهرنا ووجودنا.

Top, Skirt; Renaissance Renaisssance. Photographed by Mohamad Abdouni. Hair by Remah Jammoul. Makeup by Alexandre Paulikevitch.

لا يوجد رجل في العالم العربي يجرؤ على وضع صورته على ملصق إعلاني يعلن فيه عن تقديمه لعرض راقص، لكنني فعلت ذلك. تيتو وغيره من الراقصين يرقصون للأجانب في الفنادق الخمس نجوم  ضمن مهرجانات مغلقة وغير معلنة ثم يقومون بالتدريب في الخارج، وهذا غير كافٍ، لأن لا أحد في مجتمعاتهم يعرفهم أو يعلم بوجودهم، إلا إذا تسرب أحد الفيديوهات لهم، وعندها يكيلون لهم السباب. لا يوجد راقص عربي، لا في مصر ولا سوريا ولا بأي بلد آخر، يعلن عن عروضه الراقصة ويدعو الناس إلى حضورها… لكن أنا فعلت ذلك بلبنان. لست أول رجل يرقص ولن أكون الأخير، لكنني أقدم شيئا مختلفا لم يقدمه أحد قبلي وربما لن يقدمه أحد بعدي. 

وماذا عن الرجال اللبنانيين الذين رقصوا؟ كمصباح مثلاً وغيره…
ب، لولا مصباح  ما كنت لأرقص أو لأكتسب الشهرة التي اكتسبتها لأنه مهد الطريق للراقصين الذين أتوا بعده… وقبله، يجدر ذكر أليك خلف وهو راقص عظيم بدأ الرقص بالستينات  مع إيفيت سرسق بمسرح الشانسونييه قبل أندريه جدع وبيار شماسيان، وهؤلاء كانوا أصحاب فضل على إيفيت سرسق. ولاكنه كان ممسلاً اولاً وراقصاً ثانياً.  كان مصباح يعمل مدربا للرقص بالجامعة الأمريكية ببيروت لخريجي الجامعة. كان يرقص في “الميوزك هول” مع إليفتيريادس، وكان مهم ضمن العرض. 

كان لدي هاجس دائم بأن يحترمني الناس، ولهذا لم تكن لدي الرغبة ببناء مسيرة مهنية تقوم على الرقص في الحانات مثلما فعل غيري من الراقصين، وكنت أتساءل دائما عن الكيفية التي يمكنني بها فرض هذا الاحترام. كان الراقصون الكلاسيكيون يتعاملون معي وكأنني اقل شأنا. أردت أن أجد طريقة لتغيير طريقة تفكير الناس، لكنني لم أكن أعرف بعد كيف أفعل ذلك، كل ما كنت أعرفه هو أنني أريد أن أضيف صفحة جديدة لتاريخ الرقص البلدي، وهذا ما فعلته. بالاضافة الى أنني أتحت الفرصة لظهور راقصين آخرين مثل أحمد الخنسا.

 كنت أفكر دائما: من المسؤول عن عدم احترام الناس لهذا النوع من الرقص؟ الرقص نفسه؟ الراقصون؟ المجتمع؟ طريقة الرقص؟ أماكن الرقص؟ مثلا في المطاعم، لا يأبه أحد لأمر الراقصة عندما تظهر على المسرح؛ فالكل مشغول بالأكل والشرب والحديث. لهذا فكرت كيف يمكننا إعادة تقديم أنفسنا بصفتنا راقصين وما هي مسؤولية تحديدا، وما زلت أستكشف كيفية فعل ذلك.

كلمنا اذاً عن عرضك الأول، من عام 2009 بعنوان محاولة.
كان هذا العرض بمثابة محاولة لنقل الرقص البلدي من الكباريه إلى المسرح، مسرح تورنسول، وعندما ننقله من الكباريه إلى المسرح ماذا نفعل به. في البداية، أردت إبراز الحركة. كان يوجد على المسرح تنورة بيضاء وسماعة أذن وزجاجة مياه. ارتديت التنورة ووضعت سماعة الأذن وشغلت الموسيقى وبدأت أرقص بمفردي. أردت أن يرى الجمهور رقصي دون سماع الموسيقى التي أرقص عليها، ثم أزيل السماعات وأبدأ بالرقص على الـتصفير والأصوات العشوائية للمعاكسات التي يوجهها لي الرجال في الشارع. 

كان معي على المسرح ستيفان ريف سوبرانو ساكس وكانت كارا لينش تقوم بتصوير الفيديو. كنت أرقص وكان يتم تصوير تعبيرات وجهي ونقلها مباشرة على الشاشة وستيفان يعزف في الخلفية، كنت أريد الفصل بين الرقص البلدي والموسيقى العربية، ثم تتسارع وتيرة الموسيقى والكاميرا مركزة على وجهي ثم تظهر الأماكن أو البيوت التي على وشك الاختفاء في بيروت ويظهر شبحي على الشاشة فوق الفيديو، وكان هناك تداخل للمشاهد بطبقات مختلفة. كانت أمي قد توفيت وأردت أن أطرد الأرواح الشريرة، فقمت بمرور في ثلاث حالات جسدية، مرتدياً تنورة حمراء كبيرة، وبدأت في شكل رجل ثم امرأة ثم البوتو الياباني، وهكذا مشهد فوق مشهد على صوت عزف موسيقى الساكس، وكان هناك استنكار واستغراب من الناس، لكن استمر عرض المشاهد بحركة بطيئة حتى أثبت أن في النهاية، ما يهم هو الحركة وليس الجسد.

 هكذا قدمنا عرض “محاولة أولى” لاقترح شيئا جديدا ولأجيب عن السؤال: ماذا سيحدث لو خرجنا من نطاق الرقص التقليدي؟ 

تحدثنا قليلا عن دخول السياسة في عملك مثل مثلا الأبنية التي توشك على الاختفاء التي عرضتها ضمن محاولة أولى.  متى ظهر لك بوضوح أهمية  المزج بين العمل السياسي والفن؟
بدأ الأمر منذ أن قررت التوقف عن استخدام تعبير “الرقص الشرقي” وبدأت استخدام “الرقص البلدي”، وهذا قرار سياسي، لأن التسمية الأولى تنطوي على التبعية للغرب. الرقص المعاصر لا يركز على المشاعر والعواطف ويركز أكثر على المنطق؛ في الغرب لا يريدون المشاعر والأحاسيس، يريدون المنطق، أما أنا لأني شخص عاطفي، أريد التركيز على المشاعر، وهذا موقف سياسي أيضا لأن اتخاذ القرار بفعل شيء تحبينه على عكس التيار السائد شيء سياسي أيضا. كل شيء في الرقص شخصي بالنسبة لي. أنا صادق مع نفسي قبل أن أكون صادقا من الجمهور، وكان العرض الثاني لي “تجوال” شخصيا للغاية؛ فقد قضيت عاما ونصف تقريبا أسجل السباب والشتائم التي كنت أتلقاها وأنا أسير في الشارع، وهكذا تصبح حياتي اليومية جزءا من عملي، وأنا لا أفصل حياتي عن عملي، وكل شيء في حياتي يمكن أن يكون مصدر إلهام لعملي. حياتي وعملي لا ينفصلان وكلاهما يغذي الآخر وأجرب طوال الوقت الانطلاق من الشخصي إلى العام حتى أكون قريبا من الناس. أريد أن يرى الجمهور شيئا من أنفسهم في العروض التي أقدمها، وإذا لم أنجح في فعل ذلك، أكون فشلت كفنان؛ فالشخصي لا بد أن يؤدي إلى العام.

وماذا عن دخول الفنان إلى عالم النضال السياسي، متى بدأت في النشاط النضالي؟ 
لم أتوقف أبدا عن العمل السياسي، ولم يبدأ نشاطي النضالي بعام 2006، بل بدأ في فرنسا مع المظاهرات والاعتصامات التي كنت أشارك بها. ذهبت إلى فرنسا عام 2000 وبدأت حرب العراق عام 2003، وكنت أشارك بالمظاهرات مع زملائي بالجامعة من بلدان مثل تشيلي والمكسيك والبرازيل، ومواطنو أمريكا اللاتينية يفهمون تماما جوهر مناهضة أمريكا، يفهمون معنى الاستعمار، ومنهم فهمت وتعلمت ما يعنيه الاستعمار. 

في لبنان أشارك بالمظاهرات عندما يطفح الكيل. أتذكر أول مظاهرة شاركت بها عند عودتي إلى لبنان، كان ذلك في عام 2006 أو 2007، كانت من أجل امرأة إثيوبية انتحرت بإلقاء نفسها من إحدى الشرفات لأنها تعرضت للاغتصاب. كنا ثلاثة أشخاص فقط في هذه المظاهرة وأشعلنا الشموع لأجلها. شاركت أيضا بمظاهرة عندما تعرض شابان للضرب في ساحة ساسين وكانت أول مظاهرة من أجل حقوق المثليين في تاريخ البلاد عام 2008، وكان عددنا أقل من عدد أفراد الدرك، ولكنني بوجه عام أشارك بالمظاهرات عندما أرى أنه كفى، كفى ظلما وكفى نفاقا، وأن ما يحدث ليس عادلا وأن لا أحد يريد تغيير الوضع.

كنت قد أشعر أنني بالخندق ذاته مع العمال المهاجرين ومع النساء المعنفات ومع ضحايا العنف المنزلي ومع الأطفال ذوي الإعاقة أو اليتامى بسبب مثليتي، لكنها ليست الدافع الذي يحركني للمشاركة بالمظاهرات؛ فمبادئي هي التي تحركني. يختلف الأمر بالطبع إذا كانت المظاهرة التي أشارك بها للدفاع عن حقوق المثليين، مثلما حدث مثلا في المظاهرات المنددة بالفحوصات الشرجية القسرية التي أجريت بمغفر حبيش، حيث نزلت ووقفت أمام مسرح المدينة وحملت لافت مكتوب عليها “أنا شاذ”. المواجهة شيء أقوم به طوال الوقت، ولا أتذكر وقتا معينا قررت فيه أنا أواجه؛ فالمواجهة ليست شيئا جديدا علي، وأنا أواجه طوال الوقت.

Bra; Renaissance Renaisssance. Photographed by Mohamad Abdouni. Hair by Remah Jammoul. Makeup by Alexandre Paulikevitch.

ماذا عن دورك في تنظيم النسخة الأولى من المسيرة العلمانية؟ وهي مرحلة مهمة في تاريخ المظاهرات الشعبية على النظام الطائفي في لبنان
في عام 2010، تتالت عدت احداث صادمة مثل منع بث أغاني فيروز في الجامعة اللبنانية في أحد الأنشطة الطلابية لأن ذلك كان يتوافق مع ذكرى عاشوراء أو شيء من هذا القبيل، ثم منع حزب الله نصوص آن فرانك بالمناهج الدراسية، وبعدها كان من المفترض أن يقام مهرجان لموسيقى الروك في “الفوروم دو بيروت”، لكن رئيس المركز الكاثوليكي للإعلام، حرض الآباء اليسوعيين على إرسال رسائل نصية إلى أهالي الطلاب الذين كانوا سيحضرون المهرجان لمنع أبنائهم من الحضور لأنه يروج لعبادة الشيطان. تعاقبت كل هذه الأحداث، وكان أول حدثان بمثابة صدمة لي، لكن بعد ما حدث بخصوص المهرجان قررت أن أكتب عن الأمر ونشرت منشورا عنه (على منصة فيسبوك) أقول فيه: التطرف لا يعرف ديناً، والآن جاء دور المسيحيين” ، وعلق أحد أصدقائي، الذي كان موجودا بباريس واسمه سعيد شعيتو على ما كتبت، قائلا: “ما رأيك لو قمنا بمسيرة علمانية؟”. كان يمزح. مزحت أنا أيضا وقلت إنني موافق على ذلك، فأنشأ إيفينت مستخدما صورة فتوش كصورة رمزية وكنا نضحك ونمزح بشأن ذلك، حتى دخلت يلدا يونس معنا على الخط وقالت إنها تريد المشاركة أيضا، وكذلك كنده حسن ونصري الصايغ وتضاحكنا وتبادلنا الأفكار وانتهى الأمر، وفي صباح اليوم التالي وجدنا أن ثلاثة آلاف شخص قد قررا الحضور وخمسة عشرة ألفا مهتمين بالحضور، مع أن الأمر لم يعد كونه مزحة؛ لأن يلدا ونصري وسعيد بفرنسا، ولم يكن موجودا بلبنان سواي أنا وكنده. أذهلنا ذلك وبدأنا نفكر فيما إذا كنا سنقيم الفعالية فعلا، وفي النهاية قررنا إقامتها، وهكذا حدثت أول فعالية هزت النشاط النضالي في لبنان لدرجة صدمت اليساريين. تعلمين كيف أن اليساريين في لبنان يرون أن أمر النضال الحقوقي في البلاد بأيديهم وحدهم. جمعنا الفنانين والموسيقيين وروجنا للفعالية بطريقة ذكية وجديدة، حيث حولنا الأغاني التي كانت مشهورة في طفولتنا إلى أغان سياسية، مثلا غيرنا “شو بطاريتك؟ رايوفاك” إلى “شو طايفتك؟ ما خصك”، وهكذا لعبنا على أشياء كثيرة جمعت الناس من مختلف الأطياف، من اليمين المسيحي إلى اليسار الشيوعي، وكان الأمر مذهلا لجميع الموجودين.

وهكذا كانت مظاهرات إسقاط النظام الطائفي ومظاهرات تكدس النفايات في شوارع بيروت بعام 2015 ثم الثورة عام 2019، وأنا لا أفصل بين هذه المظاهرات لأنها تراكمية. لا تنفصل عن بعضها، وتعاونا كثيرا مع حركة “كفى” وقمنا بأكبر مظاهرات بتاريخ النضال النسوي من أجل حقوق المرأة في لبنان، وأتذكر أنهم قد طلبوا مني الرقص بإحدى المظاهرات، وتعرضنا للسخرية والهجوم من مارسيل غانم ومن السلفيين، فقررنا تصوير الرقصة فيديو بالتعاون مع الممثلة ندى أبو فرحات، بعنوان “رح قوم، رح ارقص”، ونفذناها في أكثر من مكان. فقد نقلت الرقص إلى الشارع للمطالبة بالحقوق التي لا يفكر في النضال من أجلها سوى القليلون.

ماذا عن نضالك في وجه الهجوم الذي تعرضت له كفنان؟ والجدال الناتجة عنه؟
تخلق العروض التي أقدمها ضجة كبيرة، على الأقل العروض التي تصل إلى الناس وتنتشر بين الناس، وهذا لا يحدث مع كل العروض، تخلق نوعا من الحوار والجدل، وهذا ما يهم وليس الهجوم الذي أتعرض له، ولا يكون هذا الجدل متعمدا، فليس لي سيطرة عليه. تهتم الصحافة بعروضي وتصدر المقالات عني وعن فني، ​​عندما قدمت عرض “بلدي يا واد” مثلاً نشرت قناة ل.ب.ث.8 خبرا عني وهاجموني، وهذا الجدل يساهم في تطور المجتمع، وليس الهجوم الذي أتعرض له؛ فهو لا يعنيني في شيء، وكأنه تحصيل حاصل، ما يهمني هو الفرق الذي أحدثه من خلال الفن الذي أقدمه.

عندما أنشر فيديو ما على “إنستغرام” وينتشر انتشارا سريعا أتعرض للهجوم وأتلقى الكثير من الشتائم والسباب، لكنني لا أسكت، عندما يسبني أحد أسبه أنا أيضا. لكنني أرفض التركيز على الهجوم، لأنه يعني أنني ضحية، وأنا لا أعتبر نفسي ضحية ولا أضع نفسي في خانة الضحية أبدا، بل أركز على طريقة تعاملي فيها ورد فعلي تجاهه. من أكثر الفيديوهات التي جلبت لي الإهانات، كان مقطعاً من حلقة برنامج اللبناني “أحلى ناس” المذاع على قناة الجديد، حيث ظهرتُ كضيف مفاجئ لآرقص أمام دينا. لكني لم أرد على أي تعليقات لأنها كانت كثيرة للغاية، وصل عدد المشاهدات إلى 11 مليون مشاهدة، لكنني ردت بالفيديو عندما قالت دينا إنها تقرف مني، وكان ردي هو أنها أكثر فنانة أثرت في وأنني أحبها كثيرا، وإن كانت تقرف مني فأنا أحبها. لا بد أن يكون المرء ذكيا في التعامل مع هذه الأشياء وألا يضع نفسه في موقع الضحية. وهذه الصدامات مهمة للغاية لأنها تساهم في تطور المجتمع، ومن الأهمية بمكان أن نفسح المجال للآخرين لاكتساب نظرة منفتحة وتكوين عقلية منفتحة تجاه مجتمعاتهم، لأن هذه الإمكانية ليست متاحة للجميع، وعندما يحدث الصدام يُخلق الوعي.

يرى الجميع أن عدم الرد على الهجوم يساعد في انتشار المحتوى بسبب طريقة عمل اللوغاريتمات؛ لأنه عندما لا يرد أحد على المتطاولين يزيد تطاولهم أكثر وينتشر المحتوى مع ازدياد التعليقات، لكني أرد عليهم لكن ليس بكلمات عدائية بل بالمحتوى والصور وهكذا ينتشر المحتوى وفي الوقت ذاته أوقف المتطاولين عند حدهم. على أي حال، هذا كله لا يهم، ما يهم هو الصدام وما يحدثه من أثر، مثلما حدث ما نشرته قناة إل بي سي عني. لكن ما يهم هو ما يحدث عندما يستفز العمل الذي تقومين به الناس وما يحدث بعد هذا الاستفزاز، وليس الاستفزاز نفسه.

كان لديك ايضاً تجربة ومواجهة مع الدولة اللبنانية خلال ثورة أكتوبر 2019 في بيروت، ما الذي نتج عن ذلك؟
عام 2019، أثناء الثورة، تعرضت للتوقيف التعسفي. كان الأمر قاسيا بعض الشيء لأنني تعرضت للضرب، عندما يقبض عليك تتعرضين للضرب، وأنا كنت قد وصلت توا ولم أفعل شيئا ولم أكن أعرف ماذا يحدث. قبضوا علي ووضعوني بإحدى السيارات لنقلي على مكان ما، لكني لاحظت أنهم كانوا خائفين لأن الثوار كانوا قد أقفلوا الطرقات، وأدركت، بسبب رد فعل القوى الأمنية، أننا كنا قوة كبيرة على الأرض وأن تأثير ما نقوم به كان هائلا. كان في القبض علي سابقة مهمة جدا، لأنني عندما وصلت على المخفر سألوني عن اسمي ومهنتي فقلت لهم أنني راقص، وهكذا شجعتني الثورة على التحدث بصراحة عن مهنتي. لم يكن أحد يجرؤ أن يقول للقوى الأمنية في المطار مثلا إنه راقص أو يعمل بالمسرح. قلت بكل ثقة إنني أرقص، فسألوني ماذا يعني أنني أرقص. فقلت إني أرقص والأمر لا يحتاج إلى شرح. وسألوني مجددا، وهم في غاية الحيرة، عم يجب أن يكتبوا في خانة المهنة، فقلت راقص. وفي النهاية استسلموا وكتبوا راقص. 

حدث الأمر نفسه في المحكمة العسكرية، وقلت لهم أيضا إنني أعمل راقصا، وكانوا في غاية الذهول. بالمخفر، أخبروني أن هذه سابقة، وأنه لم يسبق لأحد أن أخبرتهم أن مهنته هي الرقص، ثم قالوا وهم يضحكون إنهم سيساعدونني. كانوا قد حاولوا أيضا تلفيق تهمة لي، لكني أخبرتهم أنني أعرف حقوقي وسأنتظر المحامي وسألتزم الصمت حتى يحضر، وعندها أدركوا أنه لا يمكنهم الاستهانة بي. كانت ليلة لن أنساها بحياتي. ألقيت محاضرة عن الرقص وسط المخفر، ووقف موسيقيون وفنانون خارج المخفر وبدأ عزف الموسيقى. أصابهم الذعر وبدأوا يتساءلون عن هويتي ومن أنا حتى تثور بسببي كل هذه الضجة، وتغيرت طريقة تعاملهم معي. سألوني مرة أخرى عن اسمي ومهنتي ليتحققوا من مدى أهميتي، فقلت لهم إني أرقص. كانوا مستغربين للغاية من الاتصالات التي تلقوها بشأني من الوزراء وكبار الشخصيات ومن وقوف الفنانين، ومنهم نادين لبكي، بالخارج. وعندما خرجت بدأ الرقص والدق بالصاجات. كانت الأمر سابقة على كل الأصعدة، وعندما حان الوقت للذهاب على المحكمة العسكرية، كان ما حدث قد أحدث ضجة كبيرة اثرت فيهم.

Pants, Bra; Renaissance Renaisssance. Photographed by Mohamad Abdouni. Hair by Remah Jammoul. Makeup by Alexandre Paulikevitch.

في سبتمبر 2025، إعلان عن ”كاباريه بوليكفيتش“، أحد عروضك الأخيرة في بيروت (مسرح ميترو المدينة)، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي وأثار بلبلة كبيرة، إذ قام السلفيون وجنود الرب بتهديدك وتهديد بمنع عرضك. كيف تعاملت مع هذه الحادثة؟
هؤلاء تافهون للغاية. جنود الرب خطيرون لكنهم في الوقت نفسه تافهون. الجديد والمهم في المواجهة مع السلفيين وجنود الرب أن هذه هي أول مرة يحصل فيها هجوم مضاد عليهم. يلغي الجميع عروضهم بسبب الهجوم عليهم، من فرقة مشروع ليلى إلى فناني الستاند أب إلى ملكات الجر، وهذه كانت أول مرة يعلن فيها أحد باسمه وبشخصه أنه قرر المواجهة وأنه لن يلغي أي عرض له، وكانت هذه نقلة مهمة لنا جميعا، في المواجهة، نحن الكويريين/ات. نصحني الجميع بإلغاء عروضي، لكني رفضت رفضا قاطعا، وقلت لهم إن عليهم تعلم أصول المهنة منا نحن القدامى. وكان مهم ان اطلع باسمي علناً في الصحافة ووسائل الإعلام المحلية والعالمية مثل الأسوشيتد برس شيئا مهما في المواجهة والصراع، لأنه لا يمكننا الهروب والاختباء للأبد، كما أن هدفهم من الضجة التي يحدثونها هو كسب الشهرة، ولا يتوقعون أي نوع من المواجهة، لكنني واجهت وكانت المواجهة صادمة لهم. أصررت على إقامة أحد عروضي الذي كان قد نصحني الجميع بالغائه  وعندما حضر السلفيون للهجوم عليه، كانت القوى الأمنية في انتظارهم فهربوا، وحدث الأمر نفسه مع جنود الرب، هربوا هم أيضا.

إذا أردنا العس في المجتمع وبين الناس علينا أن نظهر على سجيّتنا، كما نحن، وأن نجعلهم يعتادون شكلنا ومظهرنا ووجودنا.

ذكرنا الكثير من الأسماء حتى الآن، مثل تحية كاريوكا وداني بسترس ، وهما اسمان مهمان لأنهما قاما بالمواجهة والصدام في وقت من الأوقات، كاريوكا من ناحية السياسة وبوسترس من ناحية الطبقية وثورتها عليها، فكيف تفهم عملك ضمن  هذا الاطار الفني والثقافي؟
بديعة مصابني هي المقياس بالنسبة لي في عملي. بديعة مصابني هي الأم الكبيرة، هي التي نقلت الرقص من الشارع إلى الكباريه، وأنا نقلته من الكباريه والمطاعم إلى المسرح وأعطيته الخلفية وجمعت بينه وبين الرقص المعاصر، نقلته هي إلى المطاعم والكباريهات ونقلته أنا من المطاعم والكباريهات إلى المسرح السياسي والفني وإلى المهرجانات التي لم يسبق للرقص البلدي الوصول إليها وإلى المراكز الثقافية والمتاحف، وما فعلته أنا لم يفعله أحد قبلي.

يكفينا تقليدا للغرب؛ فقد كان لدينا الكثير من التنوع الاجتماعي قبل أن تظهر النظريات المرتبطة بالجندر، وكفانا تقليلا من شأن أنفسنا. ليس علينا أن نقلد الغرب لنرتقي؛ كنا مرتقين بالفعل قبل أن يأتي الاستعمار الغربي ويغير نظرتنا لأنفسنا لنرى أنفسنا أقل شأنا، وهذا غير صحيح.

استكمالا لحديثي عن الرقص، قبل أن يكون هناك وجود لنظرية الجندر التي وضعتها جوديث باتلر، واجهت الراقصة فيفي عبده اتهامات الجميع بتصدير العري بارتداء جلابية رجالي واستخدام عصا التحطيب، التي تعتبر واحدة من أشكال الفنون القتالية من وقت الفراعنة. تحدت المعايير الجندرية وهي لا تعرف شيئا عن هذه النظرية. منع الرقص عام 1800 لمدة سبعين عاما، فظهرت الغوازي على دلتا النيل، وبدأ الرجال بالرقص في قلب القاهرة مرتدين ملابس النساء. كما كان الرجال الأنثويون متواجدين بين الحريم في الحرملك. والغلمان مذكورون في القرآن، وكل هذه الأشياء موجودة بمجتمعاتنا بشكل طبيعي، لكن لا أحد يريد الاعتراف بها. كتب الكثيرون عن المثلية الجنسية، مثل أبو نواس، وكانوا يعشقون صورة الشاب الوسيم. لا يزال الرجال يرقصون بمصر ولا ينقص ذلك من رجولتهم. كان لدينا حريات كثيرة، لكن مع مجيء الاستعمار وتسليطه الضوء على المثلية الجنسية باعتبارها شيئا مجرما تغير الأمر. لعب الدين دورا في ذلك أيضا، وليس الاستعمار فحسب.

هناك الكثير من الإمكانات الضائعة ببلادنا، وأتمنى أن نعرف كيف نوحد صفوفنا ونتقدم للأمام.

عليهم!

Alexandre Paulikevitch : نجم الغلاف
في حديث مع ديالا لطيف

تصوير: محمد عبدوني
إخراج إبداعي: محمد عبدوني
مساعد إبداعي: محمد ياسين
 شعر: رماح جمول
Alexandre Paulikevitch :مكياج
Morcos Key : تصميم الغلاف
تركيب وتصميم الغلاف: علاء السعدي

رئيس التحرير: خالد عبد الهادي
هذا المقابلة من عدد ميادين الإيماءات

  1. Festival d’Avignon.
  2. 36ª Bienal de São Paulo.
  3. Rococo.
  4. Butō.
  5. University of Vincennes in Saint-Denis, Paris VIII, or Paris 8.
  6. Surveiller er punir.
  7. L’Amour en plus.
  8. LBC.