English

بقلم: مجلة ماي كالي
تصوير: أسماء حمدي
تصميم فوتوغرافي: علاء السعدي
هذا المقال ملحق بعدد سنة ورا سنة

لطالما كان الصحفي والمحرر الفلسطيني اللبناني إلياس جهشان في قلب رخاء الأرشيف الكويري العربي المتنامي. كتابه الأول “هذا العربي كوير” عبر عتبة جديدة باستحضار الأصوات العربية في مجتمع الميم من كل أنحاء العالم، رفضا للرقابة الدينية والتبخيس الغربي. الآن مع مجموعته الجديدة هذه العائلة العربية الكويرية، يلتفت جهشان من الفرد إلى الجماعة مسائلا العائلة والانتماء والألفة حينما تلتقي العُربة بالكويرية.

في حواره الثاني مع مجلة ماي كالي، يتأمل جهشان التحرير الأدبي في ظل الاختلاف، وبناء التضامن من خلال السرد، واستعادة الفرح كشكل من أشكال المقاومة، ومن نادي “عرق” في سيدني إلى حفلات الكويريين/ات العرب في لندن وغيرها، يتتبع عمله كيف يجد الكويريون/ات العرب بعضهم/ن بعضا وكيف تصبح هذه الروابط بمثابة وطن لهم/ن.

بناءً على نجاح كتاب “هذا العربي كويري”، ما الذي ألهمك لإصدار كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”؟ وكيف يختلف هذا الكتاب الجديد في استكشافه لتجارب الكويريين/ات العرب؟

الصحفي والمحرر الفلسطيني اللبناني إلياس جهشان هو أحد أبرز المساهمين/ات في أرشيف متنام لسرد قصص الكويريين/ات العرب، وقد شكلت مجموعته الأدبية الأولى “هذا العربي كويري” (دار الساقي للنشر، 2022)، نقلة نوعية بما تتضمنه من أصوات عربية من مجتمع الميم عين+ من مختلف أنحاء العالم، وبرفضها للصور النمطية الكاريكاتورية الغربية والصمت الإقليمي، والآن، في مجموعته الثانية “هذه العائلة العربية الكويرية”، ينتقل جهشان من التركيز على الفرد إلى التركيز على الجماعة، حيث يتساءل عن معنى العائلة والانتماء والقرابة عندما تلتقي الهوية الكويرية بالهوية العربية.

وسط كل التعليقات التي تلقيتها على كتاب “هذا العربي كويري”، وجميع حلقات النقاش والفعاليات الأدبية التي شاركت فيها، كان هناك سؤال واحد يطرح علي مرارا وتكرارا: هل سأحرر كتابًا آخر يضم قصصا عن الكويريين/ات العرب؟

لطالما أكدت أنني لا أرغب في إصدار جزء ثان من الكتاب، وإذا ما صدر هذا الجزء، فيجب أن يشرف عليه محرر مختلف قادر على تقديم رؤيته وأسلوبه المميزين، لذا، ولهذا، إذا كنت سأحرر كتابًا آخر عن الكويريين/ات العرب، فلا بد من اتباع نهج مختلف تماما، نهج يتطلب استكشاف زاوية محددة ومتفردة، مع قصص فريدة نادرا ما تروى، إذا حدث ذلك أصلا، من هذا المنظور، وهذا الأمر يحتاج إلى تركيز هادف.

أتاحت لي العلاقات الجديدة التي كونتها من خلال كتاب “هذا العربي كويري”، سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو شخصيا، فرصة للتأمل في كيفية إيجاد الكويريين/ات العرب لمجتمع وعائلة (بيولوجية أو مختارة) والدور الذي تلعبه هويتهم/ن المتقاطعة في كل ذلك، وساعدني هذا بدوره في التأمل في رحلتي الشخصية للبحث عن مجتمع وعائلة بين العرب الكويريين/ات، سواء في لندن، حيث أعيش، أو سيدني، حيث نشأت، أو عبر الإنترنت.

لم أكتشف نفسي حقا وأتقبل هويتي المتقاطعة بصفتي مثليا عربيا إلا في منتصف العشرينات من عمري، بعد سنوات من بدء رحلة الإفصاح عن ميولي وهويتي، وكان الفضل في ذلك يعود إلى نادي “عرق”، وهو نادي موسيقي راقص عربي للكويريين/ات في سيدني يديره كويريون/ات عرب لمجتمعهم/ن؛ فقد أتاح لي نادي “عرق” استكشاف متعة كوني مثليا وعربيا في آن واحد، بدلا من فصل هاتين الهويتين، وساعدني ذلك على التغلب على الخجل الذي رافقني في فترة المراهقة وبداية العشرينات، وهذا بدوره منحني الشجاعة لأكون على طبيعتي بعيدا عن صالات الرقص، وخاصة مع عائلتي.

كان انتقالي إلى لندن قبل تسع سنوات يعني أن بدأ من جديد رحلة التعرف على كويريين/ات عرب آخرين، وفي عامي الثالث هنا، اكتشفت حفلات “فخر العرب” ونادي الكتاب، ثم فعاليات أخرى لمجتمع الكويريين/ات العرب، ومجموعات “واتساب”، وحفلات، ومن خلال النشاط النضالي أيضا تعرفت على كويريين/ات عرب، وتوطدت بيننا رفقة متينة من خلال المشاركة في مسيرات احتجاجية مؤيدة لفلسطين أو مسيرات الفخر للعابرين/ات جنسيًا في لندن، أو حضور وقفة حداد على سارة حجازي.

كما أتاحت لي تجربتي مع فقدان السمع المفاجئ وجراحة زراعة القوقعة في عام 2023 فرصة للتأمل في عائلتي ومجتمعي؛ فلم تعد سماعة الأذن توفر لي وضوحا في الصوت، مما دفعني لتجنب التجمعات الاجتماعية الكبيرة، ناهيك عن كوني بعيدا عن عائلتي. افتقدت المشاركة في فعاليات مجتمع الكويريين/ات العرب وتجمعاتهم/ن، وافتقدت وجود عائلتي الصاخبة حولي. شعرت بالعزلة الاجتماعية في هذا العام، ولم أكن أقدر وجود هذه الروابط في حياتي حق قدرها.

لحسن الحظ، تكللت جراحة زراعة القوقعة بالنجاح، وبعد ذلك بوقت قصير، عقدت عدة اجتماعات مع دار الساقي للنشر، حيث ناقشنا هذه التأملات والأفكار وسرعان ما اتضحت لي فكرة مجموعتي الأدبية القادمة.

في كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”، يشارك الكتاب والكاتبات قصصا معقدة وفريدة تتجاوز الفرد، وتتمحور الموضوعات حول العائلة والمجتمع، والأهم من ذلك، يهدف الكتاب إلى إظهار وفرة الفرح والسعادة في العائلات والمجتمعات العربية الكويرية واستعادة سرديات العائلة في الثقافات العربية، فضلا عن كونه وسيلة لتأكيد وجودنا في ثقافتين – الغربية والعربية على حد سواء – تريدان محونا، وتثبت هذه القصص أننا عائلة أيضا.

بالنظر إلى الوراء، إلى كتاب “هذا العربي كويري”، ما هي الانتقادات أو التأملات أو التعليقات التي تلقيتها، وكيف أثرت هذه الرؤى على عملية التحرير والرؤية التي يتضمنها كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”؟

أسعدني الحظ، بصفتي محررا لكتاب “هذا العربي كويري”، بلقاء العديد من الكويريين/ات العرب حول العالم والتحدث معهم/ن، سواء وجها لوجه أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد فتح ذلك لي آفاقا واسعة، وشعرت بالتواضع إزاء الاستقبال الإيجابي الذي حظي به الكتاب من القراء حول العالم، ودائما ما أشعر بالسعادة عندما يعرب أي من أفراد المجتمع العربي غير الكويريين/ات عن إعجابهم/ن بالكتاب ودعمهم/ن له في منبر عام؛ فهذا لا يثبت فقط أن لدينا حلفاء كثر في مجتمعاتنا، بل يتحدى أيضا الفكرة النمطية العنصرية القائلة بأن هويتنا الكويرية تتعارض دائما مع ثقافتنا.

ومع ذلك، فإن القراء الذين كان لتعليقاتهم/ن الأثر الأكبر في نفسي هم الكويريون/ات العرب أنفسهم/ن؛ فالكتاب موجه إليهم/ن في المقام الأول، وقد تواصل معي الكثير من الكويريين/ات العرب في الفعاليات أو عبر الرسائل الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن مدى استمتاعهم/ن بقراءة كتاب “هذا العربي كويري” وعن مدى أهمية التمثيل الذي يتضمنه الكتاب لهم/ن، ومن اللحظات المؤثرة الأخرى قيام الأصدقاء والمعارف بأخذ نسخ من الكتاب – أو حتى تهريبها – إلى منطقة جنوب غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا لإيصالها إلى أصدقائهم/ن بأمان وتوثيق ذلك بصور أرسلوها لي عبر “واتساب” أو “سيغنال” مصحوبة برسائل تعبر عن مدى تقدير أصدقائهم/ن للكتاب.

تصوير: أسماء حمدي وتصميم فوتوغرافي: علاء السعدي

بالطبع، لا يمكن تجاهل الانتقادات الموجهة لكتاب “هذا العربي كويري”، بل على العكس، أتوقع الانتقادات وأنا منفتح دائما على مناقشتها، ومن بين الانتقادات التي تلقيتها كان نقص تمثيل المغرب العربي. كان التعامل مع هذا الأمر صعبا بعض الشيء؛ فقد كنت أعرف بعض الكتاب الكويريين/ات من المغرب العربي، ولكن عددهم/ن لم يكن كافيا، لكنني أدرك أيضا أن الهوية “العربية” موضوع نقاش دائم في دول ومجتمعات المغرب العربي، وهذا شيء واجب بالطبع؛ فلا أريد أبدا، تحت أي ظرف من الظروف، أن أطمس ثقافة الأمازيغ أو القبائل، أو هويتهم، أو لغتهم، وكان الكتاب الذين/اللاتي دعوتهم/ن للمشاركة يعرفون أنفسهم/ن على أنهم/ن عرب، لكنهم لم يتمكنوا/ن من الالتزام بالمواعيد النهائية التي حددتها آنذاك.

أما النقد الشائع الآخر الذي واجهته بخصوص الكتاب فكان وصول الكتاب إلى الناس، ويعود ذلك في الغالب إلى نشره باللغة الإنجليزية، وأُدرك أن إتقان اللغة الإنجليزية في كثير من أنحاء العالم العربي يعني الحصول على التعليم، امتياز غير متاح للجميع بالضرورة، وهذا يحول دون وصول الكتاب إلى الكويريين/ات العرب الذين/اللاتي لا يتقنون/ن اللغة، وفي حين أنني أتمنى بشدة أن تكون هناك ترجمة عربية للكتاب حتى يمكن للجميع قراءته، فإن فعل ذلك قد يكون محفوفا بالمخاطر، أما عندما ينشر الكتاب باللغة الإنجليزية، فإنه يستغل الفكرة النمطية الشائعة لدى أصحاب السلطة أو المتشددين دينيا الذين يدعون أنه لا يوجد كويريون/ات في العالم العربي، وعندها يتجاهلونه، وصحيح أن ترجمته إلى العربية من شأنها أن تقلب هذه الفكرة رأسا على عقب، لكنها قد تنطوي أيضا على خطر لفت الانتباه إلى الكتاب، وتعريضه والمساهمين/ات فيه لردود فعل سلبية في المجتمع والإعلام، ومع أنني متأكد من وجود بعض دور النشر العربية التي ترغب في ترجمة الكتاب وبيعه في المكتبات في جميع أنحاء المنطقة، فسيكون عليها التعامل مع الرقابة البالية أو ما يسمى بقوانين “الأخلاق” التي تختلف من بلد إلى آخر.

لكن ربما كان النقد الأكبر الذي واجهته يدور حول توازن التمثيل – الحاجة إلى المزيد من أصوات العابرين/ات جنسيا أو الأشخاص غير الثنائيين، والمزيد من القصص من الخليج ومن فلسطين ومن النساء، والمزيد من أصوات ثنائيي الميول الجنسية، وقلة أصوات العرب من أصحاب وصاحبات البشرة السوداء، إلخ، ولو كانت توفرت لي ميزانية أكبر لدفع أجور المزيد من الكتاب وإضافة المزيد من الفصول، ولو كان وقت أطول أيضا، لربما كنت اقتربت من تحقيق التوازن الأمثل في التمثيل، لكن كان علي أن أتقبل منذ البداية أنه لا يمكن لأي كتاب أن يحقق هذا التوازن المثالي، بغض النظر عن الميزانية أو العملية المتبعة. سيكون هناك دائما شيء محل نقد، مهما كان الأمر، وهذا أمر طبيعي تماما، والأهم برأيي هو التركيز على القصص والتأكد من تفردها ومن أنها تلامس قلوب القراء (خاصة القراء الكويريين/ات العرب)، وكان هذا الأمر حاضرا بطبيعة الحال في ذهني عندما بدأت العمل على كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”.

هل يمكنك مشاركة عملية اختيار المساهمين/ات في هذا الكتاب؟ ما المعايير التي استخدمتها لضمان وجود تمثيل متنوع للأصوات العربية الكويرية؟

اخترت الكتاب المساهمين/ات في كتاب “هذا العربي كويري” بأن دعوتهم بنفسي للمشاركة، حيث تواصلت في النهاية مع نحو ٤٥ كاتبا/ة عربيا/ة كويريا/ة، معظمهم كتاب أو صحفيون/ات معروفون/ات، وآخرون فنانون/ات أو ناشطون/ات رأيت أن لديهم/ن قصصا شيقة. لم تكن لدي معايير محددة، لكنني تواصلت مع كتاب من مختلف أطياف مجتمع الميم عين+ ومن جميع أنحاء العالم، وفي المهجر وفي المنطقة، ومن جميع الأجيال. كان المعيار لكل كاتب بسيطا: الكتابة عن أي موضوع يرغبون فيه، بشرط أن يكون غير روائي، وشخصيا، وأن يتناول هويتهم/ن العربية الكويرية بشكل مباشر أو غير مباشر. باختصار، كانت الكلمة لهم/ن، وفي النهاية، قدم ٢٠ كاتبا مشاركاتهم/ن قبل الموعد النهائي، وللأسف، لم تكن ميزانيتي تسمح إلا بثمانية عشر فصلا، لذا اضطررت لاتخاذ قرار صعب برفض فصلين من الفصول المقدمة. لم يكن أي من الفصول المنشورة في الكتاب مترجما، فقد كانت جميعها مكتوبة باللغة الإنجليزية، لكنني كنت محظوظا للغاية لأن كل قصة كانت فريدة من نوعها.

أما بالنسبة لكتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”، فقد كانت العملية مختلفة تماما؛ فلم يكن عدد الفصول أقل فحسب، بل كان عدد كلمات كل فصل أكبر أيضا، فضلا عن وجود عدد أكبر من الكتاب الصاعدين/ات مقارنة بالكتاب المعروفين/ات، واحتوى كتاب “هذا العربي كويري” على مزيج من الكتابات غير الروائية، لكن كان أسلوب المقال الشخصي هو الأكثر شيوعا، أما كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”، فيميل أكثر إلى أسلوب المذكرات القصيرة.

نصف الفصول العشرة لكتاب “هذه العائلة العربية الكويرية” لمساهمين/ت دعوتهم/ن مباشرة للتقديم، بينما اختير النصف الآخر من خلال دعوة مفتوحة للتقديم. كانت الاستجابة للدعوة المفتوحة مذهلة؛ فقد تلقيت ٩٢ مشاركة، وهو عدد يفوق بكثير ما توقعته أنا أو دار الساقي نظرا لموضوع الكتاب.

من سلبيات هذا الأمر صعوبة تحقيق توازن بين الكتاب في القائمة النهائية من حيث النوع الاجتماعي، والموقع الجغرافي، والجنسانية، والجنسية، وغير ذلك، ولكن كما ذكرت سابقا، تحقيق التوازن المثالي في أي مجموعة أدبية أمر مستحيل، فكان علي التركيز على جودة القصص والتأكد من أن المجموعة النهائية تتضمن طيفا واسعا من الموضوعات والتجارب.

على أي حال، لقد كان من دواعي سروري وشرف لي قراءة كل قصة من القصص المقدمة، ومع أن الغالبية العظمى كانت باللغة الإنجليزية، فإن تسعا منها كانت بالفرنسية واثنتان بالعربية، ومثل الكتاب طيفا واسعا من الجنسيات من الشام، والخليج، وشمال أفريقيا، وبلاد ما بين النهرين، منهم المقيمون في المنطقة ومنهم من في المهجر، ويثبت هذا التنوع في مواقع الكتاب أنه لا توجد طريقة واحدة صحيحة ليكون بها المرء عربيا أو عربيا كويريا، وأنه لا ينبغي أن يكون هناك أي تسلسل هرمي لهذه التجربة.

كانت عملية اختيار الأعمال التي ستنشر لاحقا كفصول في الكتاب طويلة وشاقة بسبب العدد المقدم، لكن الأعمال المختارة جميعها استوفت الشروط المطلوبة بطرقها الفريدة، وهذا هو الأهم.

تصوير: أسماء حمدي وتصميم فوتوغرافي: علاء السعدي

كيف يحول كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية” التركيز من السرديات الفردية، كما هو يتضح في الكتاب السابق، إلى مفهوم العائلة المختارة داخل المجتمع الكويري العربي؟ وكيف يشكك في المفاهيم التقليدية للعائلة في الثقافات العربية، أو ينتقدها، أو يعززها وفي الوقت نفسه يساهم في إعادة تعريف الروابط العائلية؟

بالنسبة للكثيرين منا، سواء كنا كويريين/ات أم لا، أهمية العائلة متأصلة في نفوسنا منذ الصغر، أكثر بكثير مما هي عليه في الثقافات الغربية، وليس من النادر أن يكون لدى العرب اعتقاد راسخ بأن الدور الذي نلعبه في عائلاتنا، أو الأشياء التي نفعلها ونحققها في الحياة، يمكن أن تؤثر على الاحترام الذي يحظى به آباؤنا وإخوتنا في المجتمع، وخطر فقدان العائلة، أو تحمل مسؤولية مكانة العائلة في المجتمع، يمكن أن يكون كبيرا جدا، بغض النظر عما إذا أفصحنا عن ميولنا الجنسية لهم أم لا، ويتفاقم هذا الأمر مع الخوف الشائع من أن هوياتنا الحقيقية قد تجلب العار للعائلة، أو تؤدي إلى الإقصاء والعزلة، أو ما هو أسوأ من ذلك، تعرض سلامتنا وأمننا للخطر.

في حين أننا ننشأ على الاعتقاد بأن العائلة هي كل شيء، فإننا الكويريون/ات العرب لا نرى أنفسنا في هذا الاعتقاد؛ فالخطاب السائد في ثقافتنا لا يفسح المجال إلا للعائلة التقليدية التي تتكون من أب وأم ويتوقع من الأبناء حمل إرث العائلة، خاصة الذكور، وغالبا ما يلقي بعبء تأطير أي نقاش حول العائلة – سواء كان إيجابيا أو ناقدا – على الوالدين، لا سيما الأب.

باختصار، علينا أن نتعامل مع خطاب ثقافي حول القيم والمثل العائلية متجذر في الأعراف المعيارية الغيرية والتقاليد الأبوية، ومن هم/ن في المهجر منا، لا سيما في الدول الغربية، يواجه(و)ن تحديا إضافيا يتمثل في الخطاب المحيط بالعائلات الكويرية، الذي غالبا ما يهيمن عليه الأزواج البيض من الجنس نفسه.

آمل حقا أن يساهم كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية” في تحدي هذه الأعراف. قد يلاحظ بعض القراء أن بعض القصص الموجودة في الكتاب تعزز بالفعل المفاهيم التقليدية للعائلة في الثقافات العربية، لكني أعتقد أنها تساهم في إعادة تعريف الروابط العائلية، وبالنسبة للعديد من العرب، بمن فيهم/ن الكويريون/ات، قد يبدو مفهوم العائلة “المختارة” غريبا؛ فهناك تركيز كبير على العائلة البيولوجية، لدرجة أن أي شيء خارج هذا النطاق يبدو غريبا.

لهذا السبب كنت حريصا على أن يستكشف الكتاب معنى العائلة بالنسبة لهم/ن، وأن العائلة لا يجب أن تكون بالضرورة بالمعنى التقليدي، بل يمكن أن تكون أيضا مجتمعا ورفقة، ومساحات آمنة، وروابط اجتماعية غير تقليدية، وغير ذلك. قد تكون العائلة حجر الزاوية في الثقافات العربية، لكني آمل أن يثبت هذا الكتاب وجود طرق عديدة لبناء روابط قرابة مع الآخرين.

يعبر كل كاتب من كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية” بصدق ونزاهة عن طريقة تعامله/ا مع ديناميكيات العائلة بصفتهم عربا كويريين/ات. إنهم/ن يبتكر(و)ن طرقا جديدة، مع الحفاظ على الطرق القديمة، وكل عمل يتضمنه الكتاب صادق وعميق. إنهم/ن يقر(و)ن بالواقع الذي نعيشه، وفي الوقت نفسه يقدم(و)ن لنا الأمل في المستقبل.

نظرا للتحديات والمسارات المستمرة التي تواجه الكويريون/ات والعرب، كيف أثّر ذلك على عملية تنسيق الكتاب وتحريره، وما الذي تأمل أن يستخلصه القراء من كتاب “هذه العائلة العربية الكويرية”؟

بالطبع، تظهر فلسطين، والأثر النفسي الذي خلّفته الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة على مجتمعنا، في مواضع مختلفة من الكتاب. في الواقع، هناك فصل كامل يكرم الأم الفلسطينية في زمن الإبادة الجماعية، كما يتضمن الكتاب فصولا تتناول سياق الحرب السورية والسودانية، أو الأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان، أو نقص الفهم والدقة فيما يتعلق بحالات المرضى العابرين/ات جنسيا في المجال الطبي، لكن القصص لا تدور حول هذه الأحداث بحد ذاتها؛ فالكتاب، وتجاربهم/ن الشخصية، هم/ن الشخصيات الرئيسية، ولا يتفاعل(و)ن بالضرورة مع التحديات والمسارات الراهنة بشكل مباشر.

من السهل تحرير كتاب يتفاعل مباشرة مع الأحداث الجارية أو الراهنة، لكن هذا قد يعرض القصص لخطر التلاشي السريع؛ ففي حين أن هذا الأسلوب قد يصلح مع وسائط أخرى، كالمجلات والصحف، فإن الكتب تمنحك مرونة أكبر في التناول، لهذا، أعتقد أنه سيكون أكثر تأثيرا إذا كانت القصص الموجودة في هذا الكتاب – وفي الكتاب السابق أيضا – مباشرة للغاية؛ فأنا أريدها أن تبقى مؤثرة وجديدة للقراء بعد عشرة أعوام أو عشرين أو خمسين عامًا، تماما كما هي للقراء اليوم.

آمل أن يتعرف القراء على بعض القصص الفريدة والمتنوعة للكويريين/ات العرب الذين/اللاتي يبنون روابط قرابة مع الآخرين ويحتفون بثقافتهم/ن بطريقتهم/ن، ويدعم(و)ن بعضهم/ن بعضا من خلال النشاط النضالي والتضامن المجتمعي، ويتعامل(و)ن مع مكانتهم/ن في العائلة أو يبدؤون رحلتهم/ن نحو الأبوة والأمومة. أريد أن يدرك القراء أن هذه القصص لا تقتصر على الكويريين/ات البيض الغربيين/ات. أريدهم/ن أن يدركوا/ن أن الصور النمطية الاستشراقية، والسردية المبتذلة والمختزلة المتمثلة في “الضحية السلبية لثقافة أبوية عنيفة”، أو حتى سردية “اللاجئ/ة المثالي/ة” المفروضة علينا في وسائل الإعلام أو خطاب وسائل التواصل الاجتماعي ضارة ومؤذية، ومن المهم أن نظهر أننا قادرون/ات على التعبير عن أنفسنا وأننا لسنا بحاجة إلى إذن من المتحكمين في وسائل الإعلام أو في المجتمعات الكويرية الغربية التي لا تزال تحدد معايير الكويرية لنروي قصصنا بالطريقة التي نريدها.

بالتأمل في رحلتك الشخصية، كيف تطور فهمك للهوية العربية الكويرية من خلال تحرير هذين الكتابين؟ وما هو تعريفك “للكويري/ة العربي/ة”؟

أحد الأشياء المهمة التي أصبحت أؤمن بها وأعتنقها خلال السنوات الثلاث الماضية هي إيماني بالتضامن العربي الشامل، وتخلصت تماما من الميل إلى التركيز على تجارب العرب الشاميين/ات في الخطابات العربية الكويرية، كما أميل إلى تجنب استخدام مصطلح “القومية” العربية الشاملة، ليس فقط لأنه غير واقعي، بل لأنه يوحي بتحميل القومية والدولة القومية المسؤولية؛ فالتضامن العربي الشامل، برأيي، يتمحور حول الناس والاحتفاء باختلافاتنا وتنوعاتنا الرائعة.

وبما أننا أقلية في ثقافاتنا، فإن هذا الشعور بالتضامن العربي الشامل يتعاظم في رأيي، وهذا ليس بالأمر السيئ! هذا التضامن الذي أشعر به مع الكويريين/ات العرب الآخرين يعني أننا نستطيع التواصل مع بعضنا بعض رغم اختلافاتنا وأننا أكثر وعيا بالتحديات المختلفة التي تواجهنا. التضامن العربي الذي أشعر به بيننا نحن الكويريين/ات العرب يعني أيضا أننا بحاجة لبعضنا بعض، وأن تقديم الدعم لبعضنا ابعض أمر أساسي في نضالنا المستمر من أجل التحرر على جبهات عديدة.

بالنسبة لي شخصيا، يتحدى الكويريون/ات العرب الأعراف الاجتماعية والثقافية السائدة، أو يزعزعونها، أو يتجاوزونها، لا سيما تلك المتعلقة بالجنسانية والنوع الاجتماعي، ووجودنا بحد ذاته يحقق هذا الهدف. لا توجد طريقة واحدة صحيحة ليكون بها المرء كويريا/ة وعربيا/ة؛ فلكل منا مساره/ا الفريد، وجميعها صحيحة. لكن بالنسبة لي، أن أكون كويريا عربيا يعني أننا، بوعي أو بغير وعي، نزعزع ما يعتبر “طبيعيا” أو “متوقعا” أو “محرما” في مجتمعاتنا. قد لا يكون لنا خيار في هذا الأمر، لكن وجودنا بحد ذاته يسهم في تفكيك المحرمات والتقاليد الاجتماعية القائمة، مثل المعيارية الغيرية التي تتسم بها الهياكل الأسرية. نحن نبني مستقبلا جديدا مثيرا ومليئا بالإمكانيات الجديدة للهوية والعلاقات ولا يتعارض أي من هذا مع ثقافتنا، وآمل أن يثبت كتابي ذلك.