كلمات وتصوير: زيد
هذا المقال ملحق بعدد سنة ورا سنة
تحذير ⚠️: المقال التالي يتناول الانتحار، ومشكلات الصحة النفسية، والإساءة الجسدية والجنسية
لا أستطيع تحمل تكلفة الذهاب إلى معالج/ة نفسي/ة، وليست لدي القوة للخروج اليوم. أكتب لأفهم نفسي ولأرتب الفوضى التي تعترم داخل عقلي. بلغت الخامسة والعشرين من عمري مؤخرا وأشعر بالفشل.
أعلم أن أصداء كلماتي قد تتردد في أذهان كل من نشأ في بيئة سببت له/ا الصدمات أو تحت وطأة توقعات مستحيلة كانت مطلوبة منه/ا، لكنها تترك أثرا عيقا في نفسي؛ فقد نجوت من الكثير لأصل إلى هنا وما زلت أشعر بالعجز. النجاة وحدها ليست كافية، فأنا أريد أن أعيش، لكنني أشعر بأنني محاصر في كل اتجاه.
أعلم أنني ذكي، لكن ليس بالمعنى المتعارف عليه فيما يتعلق بالدراسة، وما زلت لا أعرف إذا كان سبب فشلي هو الكسل، أو المرض النفسي، أو كليهما. خيبة أملي في نفسي لا تتعلق بقدراتي، بل بفقدان وجهتي؛ فأنا أشعر وكأنني قد فقدت بوصلتي، كلما تقدمت للأمام، أجد نفسي أعود إلى جوانب مظلمة من نفسي، وكل خطوة أخطوها تؤكد لي أنني لم أُخلق للنجاح.
الأمر أشبه بتشغيل نظام تشغيل غير متوافق مع أي برامج أو تطبيقات. هذه أفضل طريقة أستطيع بها وصف حالتي بصفتي شخصا مصابا بالتوحد في عالم مثل عالمنا. عقلي كبرنامج متطور يعمل على جهاز منهك ذاكرته العشوائية مشوشة بفعل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه ومعالجه يصبح ساخنا جدا بسبب فرط التفكير والاكتئاب وقرصه الصلب مليء ببيانات عاطفية غير محلولة، أما بطاقة معالجة الرسومات به فمحترقة، وإن كانت لا تزال تعمل؛ فأنا فنان بصري، أو على الأقل، هذا ما يطلقه علي الناس.
لكنني أشعر أنني مدعٍ، ولطالما شعرت بذلك، ليس لأنني لا أُبدع، بل لأنني لم أُخطط لهذا الأمر قط؛ فقد بدأت الرسم على هاتفي في سن السابعة عشرة، وأنا عالق في منزل أتعرض فيه للإساءة على يد عائلتي. كنت أستخدم تطبيقا لتصميم الصور المجمعة (الكولاچ) والتلاعب بعناصرها الأمامية والخلفية. كان الأمر رائعا، واستمريت فيه حتى أصبح وسيلة للنجاة––لم يكن إستراتيجية أو وسيلة للانضباط، بل مجرد طوق نجاة.
لم أتعلم الفوتوشوب. لا أستطيع رسم الصور الفنية أو الرسومات التوضيحية ولم أتابع أي دروس تعليمية، فقط عبرت عما لم أستطع التعبير عنه بالكلمات، وأحب الناس فني، بل وعرض بعضهم أعمالي في معارض، لكنني لم أعتبر نفسي فنانا حقيقيا قط، لأنني لم أتعلم بالدراسة والبحث.
كانت المدرسة جحيما.
يظن الناس أن تدني الدرجات يعني الكسل أو انعدام الطموح، لكن الأمر لم يكن كذلك. لم أستطع التركيز ولم يكن بإمكاني الجلوس ساكنا في هدوء. كنت أعاني من صدمة نفسية خفية، وبينما كان الأطفال الآخرون ينجزون واجباتهم المدرسية، كنت أحاول النجاة ليلة أخرى من الفوضى في المنزل.
نشأت في بيت مضطرب يسوده العنف والإساءة، كان والداي غارقين في الفقر والتدين. أمي متقلبة المزاج، دائمة التوتر، أما أبي فكان غير قادر على التواصل العاطفي، أما أخي الأكبر يضربني باستمرار وبلا هوادة. كان المنزل أشبه بسلسلة من الألم: أبي يهين أمي، فتفرغ غضبها في إخوتي، ثم يفرغه إخوتي في.
لم يكن هناك أي إحساس بالأمان، لا في الشوارع حيث كنت أتعرض للتنمر، ولا في المنزل حيث كنت أُتعرض للإسكات ولم يكن مسموحا لي بالكلام، ولا حتى التواجد. أصبحت أتلعثم في الكلام ولم أكن قادرا على التعبير عن نفسي حتى بلغتي. كنت أخشى الوجود، وأشعر بالخجل لمجرد وجودي.
تعرضت للتنمر بسبب جسدي، وصوتي، ورقتي. نعتت بألفاظ نابية في المدرسة وتعرضت للبصق والضرب، وكنت أعود إلى المنزل لأواجه مثل هذا وأكثر، لم يكن هناك مفر، حرب دائرة فحسب. لم أستطع التركيز على الدراسة وأنا أقضي ليالي في خوف وصباحاتي في مهانة وأمسياتي في محاولات لتفادي المزيد من العنف. لم يكن الأمر يتعلق بالتقصير في أداء واجباتي المدرسية، بل كان يتعلق بالنجاة من الإساءة والتظاهر بأن شيئا من ذلك لم يحدث.
قلدت الآخرين ودرست شخصيات جميع من حولي لأتمكن من النجاة. صنعت شخصيات وهمية ومثلت أدوارا. أصبحت الشخص الذي كان يجب أن أكونه لتقليل مقدار الخطر الذي كنت أتعرض له وكنت بارعا في ذلك. كنت أتمتع بخفة الظل والروح، وكنت أجيد تسلية الآخرين وتغيير جلدي. لكنني لم أكن على طبيعتي أبدا؛ فلم يكون مسموحا لي بذلك.
كنت أنجو من منظومة لا من منزل أو مدينة، منظومة عنيفة تمارس الوحشية ضد كل من لا يستطيع التأقلم معها، منظومة تقضي على الرقة، والإبداع، والاختلاف، والتنوع العصبي، منظومة تتغذى على الانصياع. المغرب أشبه بآلة، وكنت أنا الجزء المعطل فيها.
كانت أولى تجاربي الجنسية في سن صغيرة جدا، كنت أصغر من أن أفهم معناها، لكنني كنت أعرف أنني أريد الشعور بالأمان وأنني بحاجة للحماية. أدركت مبكرا أن للجاذبية قوة. حتى في طفولتي، كنت ألاحظ كيف تستخدم النساء أجسادهن للنجاة، وبدأت بتقليد ذلك، ليس لأني أنثوي، بل لأنه كان النموذج الوحيد الذي أعرفه.
لكنني لم أكن راضيا عن جسدي، ولم أشعر بالارتياح تجاهه، ولم أشعر بأنني شخص جميل. كنت كثيف الشعر وبدين وأخرق. لم تتوافق الأنوثة التي حاولت إظهارها مع مظهري، وكان هذا التنافر مؤلما. في المغرب ––حتى بين الكويريين/ات–– كلما كانت ملامحك أنثوية، زادت جاذبيتك. هذه هي القاعدة غير المعلنة، ولم أكن كذلك.
وصلت إلى مرحلة البلوغ مبكرا، كنت ضخم البنية وكانت ملامحي بارزة وجسدي مغطى بالشعر. لم يتناسب مظهري مع خيالات أي أحد، لذا حاولت افتعال المظهر المناسب فحلقت ذقني وارتديت ملابس معينة وتحركت بطريقة معينة. حاولت أن أصبح شخصا مثيرا للرغبة، لكن مهما فعلت، لم أشعر بأنني كنت كافيا.
لذا ركزت على الدراسة، لا الدراسة الأكاديمية، بل دراسة النجاة. درست المشتغلين/ات بالجنس ودرست فن السيطرة وتعلمت كيف أُسيطر على الأجواء وكيف أجذب الآخرين. دربت نفسي وصقلت جسدي ولغتي. أتقنت فنون الإغواء واستخدمتها للتغلب على الخطر، واكتساب الحماية، وخلق مساحات صغيرة من الأمان.


تصوير: زيد
قلدت. أديت. نجوت. لكنني أدركت وأنا أحاول جاهدا أن أجد معنى لوجودي في هذه المنظومة أن هذه معاناة مشتركة بين الكويريين/ات؛ فقد أدركت أن هناك عجزا جماعيا قد تأصل فينا بشكل متعمد بهدف إسكاتنا وتقييدنا وأن المنظومة برمتها مصممة لقمع الأفراد، سواء كانوا كوير أم لا، لكن بالنسبة للمهمشين/ات، الضغط مضاعف.
مخطط المنظومة واضح: إنتاج أفراد مطيعين/ات لخدمة الشركات والمؤسسات الكبرى، والمغرب مؤسسة عملاقة في حركة دائمة، تسير نحو مسار رأسمالي قاس والمواطن المثالي مجرد شخص يشغل وظيفة، ترس في آلة، للحفاظ على دوران عجلة الرأسمالية ولا مجال لتحدي القواعد ولا مجال للتشكيك في التقاليد أو الانصياع. والوضع أصعب بالنسبة للأفراد الكويريين/ات لأن طبيعتنا تتحدى التقاليد والانصياع، وهكذا، كان على المنظومة سحقنا بقوة أكبر والضغط علينا أكثر لإجبارنا على الخضوع والشك في أنفسنا والطاعة والاختفاء وجعلنا نعتقد أننا خطاة وشاذون/ات وغرباء ثم إيهام أنفسنا لتقبل قوالب نمطية معيارية ومغايرة جنسيا لينتهي بنا الأمر بالانسحاق تحت وطأتها، وفي هذه الأجواء تزدهر كراهية المثلية.
لا أستطيع حتى حصر عدد الأشخاص المعادين للمثلية الذين تنمروا عليّ ليطلبوا مني لاحقا ممارسة الجنس سرا، لكنني أدركت شيئا وهو أن تصرفاتهم هذه لم تكن تناقضات معزولة، بل كانت نماذج، نماذج ناجحة لما تنتجه المنظومة: أشخاص كويريون مكبوتون وغاضبون وعنيفون، رجال لم يسمح لهم قط بحب أحد أو أن يحبهم أحد بصدق، فحولوا طبيعتهم إلى غضب.
وهكذا شعرت بأنني عالق بين المناورة من أجل النجاة بين المغايرين جنسيا وإيجاد طريقي في المساحات الكويرية. أردت التمرد على هذا كله لأنه لم يكن منطقيا بالنسبة لي وقررت الإفصاح عن ميولي علنا. أردت أن أُنزع القناع، وإذا كنت سأخوض هذه المعركة، فأردت أن أفعل ذلك دون أعباء ودون سرية ودون ابتزاز عاطفي. أردت أن أشق طريقي عبرها بشجاعة ––لا مزيد من الاختباء، لا مزيد من التظاهر، لا مزيد من الضعف العرضة للاستغلال.
اتخذت الخطوة الأكبر والأكثر رعبا: أعلنت عن ميولي لعائلتي المحافظة جدا… ودفعت الثمن من ألم وصدمات جسدية ونفسية. تعرضت للإهانة والتهديد، بل وحتى تهديدات بالقتل، وخيرت بين خيارين: إما التخلي عن كويريتي والتوبة إلى الله أو مواجهة العواقب.
لذا هربت من المنزل.
كان الأمر مرهقا عاطفيا، لكنني أتذكر شعوري بالفخر والانتصار. حتى في لحظات التشرد، كنت قد انتزعت حريتي. وجدت أماكن للمبيت وكافحت لأُؤمن لقمة العيش والنوم. ثابرت حتى أنهيت دراستي الثانوية وأصبحت مهارات التعلم الذاتي التي اكتسبتها خلال تلك السنوات السابقة بمثابة أدوات للنجاة.
استغللت علاقاتي، واستدرت التعاطف، ووجدت فرصا كافية للاستمرار. كانت النتائج متواضعة، لكن في ذلك الوقت، شعرت أنها أقوى تحد يمكنني توجيهه للمنظومة.
بعد ما يقرب من عام من هروبي من المنزل، اكتشفت أن والداي يبحثان عني. أرادا التواصل معي والتحدث إلي، ومع أن ردة فعلهما الأولية كانت قاسية، بسبب التنشئة العقائدية والضغط الديني، فقد بدا أن فقدان ابن من أبنائهما قد غير شيئا ما فيهما، لذا قابلتهما وشرحت لهما ما يعنيه لي أن أكون مثليا وأن شيئا لم يتغير سوى أنهما الآن يعرفان وهذا كل ما في الأمر.
ما ساعد كثيرا في إجراء هذا الحوار هو استقلالي المالي؛ فهما لم يقدما لي أكثر من المأوى والطعام، وكنت قد توقفت عن طلب المال منهما منذ أن بلغت السادسة عشرة وتوقفا هما عن منحه لي، وقد منحني هذا القوة لأن موازين القوى تتغير عندما لا تكون معتمدا ماليا على أحد، واتضحت لي أهمية الاستقلال المالي للكويريين/ات؛ إذ يمنحنا القوة في منظومة مصممة لتجريدنا منها.
لم أعد أطلب الإذن من أحد وكنت أعلن عن وجودي.
وهذا ما صنع الفارق.
التنقل في عالم المواعد في المغرب بصفتي شخصا كويريا شيء فوضوي بحد ذاته؛ فمن جهة، أنا شخص مثلي بشكل علني ومن ناحية أخرى أنا على دراية بالصدمات التي نحملها داخلنا، والخزي والعار، وثقافة العلاقات العابرة، والخداع، والخوف من الضعف، وهذه ليست سمات عشوائية، بل هي أعراض نشأتنا في منظومة تخبرنا أن مجرد وجودنا خطأ.
ربما لا يمكنك أن تتوقع من شخص أن يكون قادرا على التواصل العاطفي في حين أنه أمضى حياته كلها مختبئا؛ فقد نشأ معظمنا دون أن يكون هناك تمثيل حقيقي للحب الكويري. لم أعرف حتى بوجود المثليين إلا عندما بلغت التاسعة من عمري، حين عثرت بالصدفة على أفلام إباحية للمثليين على الإنترنت، وهو ما كان صادما، لكنه كان بمثابة تأكيد لشيء ما في أعماقي. وصلت إلى النشوة وقذفت في الحال وكانت هذه هي المرة الأولى.
كانت فكرتي عن الحب مستمدة بالكامل من التلفزيون والأفلام التي ترسخ المعايير المعيارية والمغايرة جنسيا وليس من المنزل؛ فوالداي لم يظهرا عواطفهما أبدا، وهكذا دخلت مرحلة المراهقة بلا خارطة طريق، باحثا عن التواصل العاطفي وسط الفوضى.
عالم المواعدة في المغرب مروع؛ فلا يوجد نظام، ولا نماذج صحية، بل مجرد صدمات تتنقل بين الأجساد. انتهى بي الأمر بعد تجربتي الرومانسية الأولى مجروحا وضعيفا، وكان أثرها النفسي علي أشبه بحادث سيارة مروع ولم أكن قادرا على فعل أي شيء. في سني هذه، لم يكن من السهل علي تقبل حرماني من الشيء الوحيد الذي تشبثت به كأمل: الحب، ودفعني الاكتئاب إلى ترك دراستي الجامعية وأنا في سنتي الأولى، وقد تزامن هذا مع جائحة كوفيد-19.
وجدت نفسي محطما وفاقد الثقة بنفسي ووحيدا. هاجمني عقلي بأسئلة حول وجودي: لماذا رفضني أهلي والمجتمع وأحبائي؟ بدأت أعاني من نوع من الذهان. شعرت وكأنني أنا المشكلة. هل هو جسدي؟ وجهي؟ صوتي؟ وجودي؟ لماذا تعرضت للخيانة وأنا أعطيت ذلك الشخص كل شيء – دراستي وحتى مستقبلي؟
انهار كل شيء أثناء جائحة كوفيد-19، ومع ذلك، بطريقة ما، استيقظت غريزة البقاء لدي، فبدأت أهتم بجسدي وأمارس الرياضة وتوقفت عن تناول المخدرات (أو على الأقل الحصول عليها) ووجدت لنفسي منفذا إبداعيا، حيث بدأت بتصوير جسدي عاريا وتعديل الصور. في البداية، كان الأمر يتعلق باستعادة ثقتي بنفسي، ثم أصبح يتعلق بالظهور. نشرت الصور على مواقع التواصل الاجتماعي وأثنى الناس علي، وكنت أتوق إلى هذا التقدير.
كان هذا التقدير مُرضيا، وإن كان مدفوعا بدوافع سلبية. بدأت أركز على التعبير عن جسدي بشكل جنسي مبالغ فيه على الإنترنت، حيث أنشئت محتوى إباحيا ذا طابع سياسي: الاحتفاء بالمثلية الجنسية، حتى أنني أنشأت حسابًا على منصة أونلي فانز1. لم يكن الأمر عاديا، بل كان فعل تمرد ومواجهة صادمة ونضال، وفي الوقت نفسه، انضممت إلى الحوارات التي كانت تدور بين الكويريين/ات وتواصلت مع ناشطين/ات وتجمعات وقدمت أعمالي لجهات مختلفة.
مع انتهاء الحجر الصحي عام ٢٠٢٠، قررت العمل مع تجمعات كويرية؛ فقد أردت توجيه مرونتي وتمردي وفني نحو شيء ملموس، لكن ما أثار دهشتي عندما بدأت أسافر في أنحاء البلاد للقاء أفراد وتجمعات ونشطاء كويريين/ات هو مدى هشاشة كل شيء؛ فلم يكن هناك مجتمع حقيقي، بل مجرد مجموعات صغيرة منغلقة على نفسها: المثقفون/ات، وجيل زد، والمشتغلين/ات بالجنس، والمتصوفون/ات، وغيرهم/ن. كان الجميع منقسمين، ولم يكن أحد يطيق الآخر.
و
كان أسوأ ما في الأمر هو اكتشافي أن العديد من التبرعات المخصصة لمساعدة الأشخاص الكويريين/ات قد أسيء استخدامها من أجل متع شخصية، مثل الحفلات والرحلات والطقوس القائمة على الخرافات. أدركت حينها أن مجال المناصرة نفسه كان فاسدا، ليس كله بالطبع، لكن بما يكفي لزعزعة ثقتي.
للمفارقة، كان هذا الوضع يشابه النظام السياسي المغربي الأوسع نطاقا، المبني على الاحتيال وصراعات السلطة، وزعزع هذا ثقتي أكثر لأنني كنت أتوقع شيئا مختلفا من المساحات الكويرية؛ فمن المفترض أن نتحدى الفساد، لا أن نجسده، وكانت الخيانة التي وجدتها بالداخل أشد وطأة من تلك التي واجهتها من الخارج.
في نهاية المطاف، عدت إلى أساليب التأقلم ذاتها: الحفلات والمخدرات والاشتغال بالجنس لتوفير المال، وكان لهذا الانحدار عواقب وخيمة؛ فقد ارتكبت أخطاء وتعرضت للإيذاء والاستغلال، وانتهى بي الأمر بالإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.
وكانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

تصوير: زيد
عندما علمت بإصابتي بفيروس نقص المناعة البشرية، شعرت بالتحطم والانكسار والعار؛ فقد كنت أظن أن كل شيء تحت سيطرتي. كانت ردة فعلي الأولى هي الانتحار؛ فقد شعرت بأن ذلك دليل على فشلي وأن والداي كانا محقين في إهانتي وأن المجتمع سيصفني بالمنحرف القذر ويجد ذلك مبررا. الوصمة ثقيلة هنا ––حتى داخل مجتمعنا، وربما تكون أشد وطأة هناك.
فيروس نقص المناعة البشرية موضوع جوهري للنميمة بين الكويريين/ات وشيء يدمر حياة الأشخاص، وكنت أعلم أنه في اللحظة التي تأتي فيها نتيجة فحصي إيجابية، سيكون اسمي التالي في جلسات النميمة. كنت مرعوبا ––ليس فقط من الفيروس، بل مما سيقوله الناس. شعرت بالغباء لعدم توخي المزيد من الحذر. كنت منفتح الذهن بشأن الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية، ولكن عندما أصابني شخصيا، انتابني الذعر.
في سن الحادية والعشرين، دون أي مصدر للدخل وبلا دعم، كان علي أن أجد طريقة للحصول على العلاج. ساعدني صديق مقرب يعمل في جمعية تعنى بفيروس نقص المناعة البشرية. كان الأمر مهينا؛ إذ يتعين عليك إجراء فحوصات مختلفة، مثل اختبار ويسترن بلوت (لطخة ويسترن) وتحاليل الدم والأشعة السينية، من أجل فتح ملف حكومي باسمك والحصول على الأدوية، وهذا كله مكلف، ثم هناك مسألة السفر إلى الرباط. إنها عملية بطيئة ومؤلمة وبيروقراطية، وينظر إليك موظفو الحكومة نظرات استهجان. في النهاية، يسلبونك كرامتك.
استغرق الأمر أسبوعين فقط لبدء العلاج. ثم يتكرر الشيء نفسه كل ثلاثة أشهر. إنه أمر مرهق، وفوق هذا كله، سرب أحدهم الأخبار عن حالتي وانتشرت الشائعات كالنار في الهشيم. راسلني أشخاص على تطبيق “غريندر” واصفين إياي بالقذر والبغيض.
حطمتني تلك اللحظة. لكنها لم تنه حياتي.
أدركت أن ما مررت به ليس مجرد تجربة شخصية؛ بل جزء من المنظومة.
الكثير منا يحمل قصصا مماثلة وندوبا مماثلة، ومع ذلك لا أحد يتحدث عنها، وهناك صمت ثقيل ومريب يخيم على وجود الكويريين/ات. الناس خائفون/ات، خائفون/ات من أن يراهم/ن أحد، أن يعرفهم/ن أحد، أن يضيع ما تبقى لديهم/ن من أمان أو كرامة.
نعيش في منظومة لم تصمم من أجلنا قط؛ فلا نتلقى أي تثقيف بشأن أجسادنا أو عقولنا أو هوياتنا، ولا تتاح لنا مساحة للتساؤل أو الاستكشاف أو التطور. لا يوجد تثقيف جنسي، ولا توعية بالصحة النفسية، ولا رعاية عاطفية، ولا شبكة أمان روحية للأطفال الكويريين/ات الذين/اللاتي ينشؤون/ينشئن هنا، وكأنه يلقى بنا في البرية، ويتوقع منا النجاة والانصياع.
الضرر عميق على مستوى الأجيال والمنظومة، ومع ذلك، لا أحد يتحدث عن الأمر أو يقدم التوجيهات أو يطرح الأسئلة الصحيحة.
ما زلت أحمل في داخلي آثارا عاطفية لكل ما مررت به. لم أستوعب معظمها، ولا يمكنني الحصول على أدوية قد تساعدني على تهدئة جهازي العصبي. أرى هياكل السلطة والتلاعب والاستغلال، فأعجز عن الاستمرار.
لذا أكافح وأبني علاقات وأنجو.
لكن هذا لا يبدو مستداما أو آمنا. أشعر وكأنني أتشبث بخيط رفيع في معظم الأيام، وأعلم أنني لست الوحيد.
لهذا السبب علينا التحدث عن الأمر، ولهذا السبب نحتاج إلى الظهور، وليس الرأسمالية الوردية ولا التضامن الزائف ولا الصيحات الرائجة على الإنترنت، إلى حوارات حقيقية وصريحة وجريئة حول المعنى الحقيقي لكون الشخص كويريا/ة أو من ذوي/ات الاحتياجات الخاصة في بلد يقمع وجوده/ا، فإذا كنت تقرأ/ين هذا الكلام وتشعر/ين به، فاعلم/ي أنني كتبته وأنا أفكر بك.
لسنا معطوبين/ات، لكننا لم ننعم بالأدوات اللازمة فحسب.
ومع ذلك، نحن هنا. ما زلنا هنا.
وهذا هو الأهم.
