English

بقلم: تازر
العمل الفني: عمر

هذا المقال ملحق بعدد سنة ورا سنة

جرت العادة أن يعتذر لي أصدقائي البيض من أوروبا والولايات المتحدة عَقب كل مرة نلتقي فيها، خشية أن يُتهموا بالعنصرية بسبب مصطلح استعملوه خلال أحاديثنا، كما يسألونني مرارا عما إذا كانت التسميات التي أطلقوها جائزة وغير مهينة!

كانوا يتوجهون إليّ بأسئلتهم بوصفي أنتمي لجماعات مهمشة في أوروبا كشخص أسود مسلم يتحدث العربية بالإضافة لكوني أجنبي. كانت هذه الأسئلة تشعرني بثقل أعباء تمثيل هذه الهُويات المختلفة والمتمايزة في داخل كل منها، وكانت تلك اللقاءات بالنسبة لهم نزهة في حقل ألغام ثقافية، يحذر فيها أحدهم إحراج إثنية أو دين الآخر بقول أو فعل غير مناسب!

الصوابية السياسية الغربية
في البداية اعتبرت هذا السلوك علامة حرص على احترام الآخر في مقابل التمييز العنصري الذي ينتشر في بلدي ليبيا وكذلك في ألمانيا حيث أقيم.. وهنا، في غرب أوروبا‪،‬ ينتشر تيار مقاومة التمييز بخطاب يراعي الاختلافات الثقافية ويخلق مساحات آمنة للفئات الأقل حظوة عُرف بالصوابية السياسية.1 ومنذ هجرته الأوساط الحقوقية والأكاديمية في الولايات المتحدة في سبعينات القرن العشرين، وأنصار هذا المصطلح يرون بأنه السبيل لتحقيق التعايش المشترك،2 ولهذا يحرص الكثير على غربلة اللغة والتخلص من المفردات غير اللائقة اجتماعيا والاعتذار في حالة الوقوع في الخطأ والوعد بأن “نصبح أفضل” وإلا فالمصير في أحيان كثيرة هو الإلغاء عبر حملة إلكترونية غايتها عزل الخارج عن الصوابية تصل إلى حد إيقافه عن العمل أو الدراسة ونبذه حتى يستحيل عبرة لمن لا يراعي الصوابية… وهو ما اختصر في مصطلح الإلغاء3 كجزء من ثقافة أوسع أطلق عليها ثقافة الإلغاء.4

انتقد العديد من الباحثين الصوابية السياسية إما لعدم جدواها في مناهضة العنصرية5 أو في تقييدها لمبدأ حرية التعبير والحجر على سِعة اللغة،6 في حين هاجمها آخرون أمثال الطبيب النفسي والكاتب الكندي الذي اشتهر بتعليقاته الرافضة لاعتماد الضمائر الكويرية في الفضاءات العامة، جوردن بيترسون الذي اتهم هذا التيار بالجنون وتهديد الحضارة الغربية.7

لم يظهر هذا الجدال في الغرب وحده بل تسرب للمجتمعات المسلمة والناطقة بالعربية حيث يجد أمثال أندرو تيت وجوردن بيترسون أنصارا يهللون لصولاتهم ضد الانفتاح الذي تدعو له الصوابية السياسية إلى درجة تمني أن يعلن هذا الأخير إسلامه ليختم بالمسك سيرته كمدافع عن القيم المحافظة.

تراجع هذا التأييد حين وجّه بيترسون رسالة مصورة للمسلمين يعظهم فيها بالكف عن (العداء فيما بينهم والتحلي بالتسامح مع الديانات الأخرى) حيث اتهمته تعليقات على الفيديو بالتعالي وعدم الاطلاع.8

تصدير/استيراد المشكلة
بيد أن الهجوم على الصوابية السياسية لم يتوقف في هذه البلدان، ففي ليبيا مثلا كما هو الحال في عموم شمال إفريقيا، تبنى كثير من النشطاء ومناهضيهم قطبي الجدل الدائر في الغرب الداعم للصوابية والرافض لها، وانشغلوا بحججهم على حساب تقاليد تقبل الآخر المحلية في هذه البلدان وآداب التعامل الرشيد مع المختلف، فأهملت هذه التقاليد التي من شأنها علاج مشكلات اجتماعية وسياسية عديدة والحد من تفاقمها كحوادث القبض على النشطاء والكوير في مصر والتصريحات العنصرية ضد المهاجرين الأفارقة على المستويين الرسمي والشعبي كما حدث في ليبيا وتونس.9 فعلى سبيل المثال كوّنت الثقافة المحلية في ليبيا عبر مرور الزمن، صوابية سياسية تتوفر في بعض جوانبها مرونة الفهم وتسمح في ذات الوقت بالتطوير لاحتواء ما استجد على الثقافة.

العمل الفني: عمر

فثمة عبارات في الدارجة تهدف لعدم إهانة الجار والترحيب بالغريب والاستفهام عن أسلوب حياته دون الانتقاص منه وتعلم التعامل مع ما هو مختلف كما هو الحال في الصوابية بشكلها الأورو أمريكي. بيد أن الأخيرة تهاب الإلغاء وهو غير الموجود في النسخة المحلية، وحينما تتبعتُ الفروق بين النموذجين أدركت بأن الصوابية في شكلها الغربي الشائع، سطحية التوجه، مادية لاعتمادها الخوف على الصورة المجتمعية. وهو ما يفسر حالة الحذر والاعتذار المتكررين من الأصحاب والنشطاء ممن قابلتهم في الغرب، فهي في كثير من الأحيان، ناتجة عن الخوف من الظهور بشكل غير لائق واحتمالية التعرض للإلغاء. وعليه، يتم التركيز على مظاهر التسامح عوض التعرف على الآخر بوصفه فردا مساويا. بل يصل الاهتمام بمظهر العيش المشترك إلى حد التوكنزم10 وهو ما تعاملت معه مرارا خلال تجارب عملي وعلاقاتي الاجتماعية مع أشخاص بيض، فالمرء يتوّج برتبة أنه ووك11 أي منفتح بقدر تقيده بقواعد (اللغة المرنة) والتصرفات الحذرة فيتعمّد الإحجام عن نقد الخطأ ويتوانى عن الإشارة للتجاوزات السلبية حين يتعلق الأمر بمجتمع السود أو اليهود أو المسلمين أو الكوير أو ببساطة ممن ليسوا من فئة البيض الأغنياء مطابقي الجندر. هذا التعامي هو في الواقع وليد الامتياز الاجتماعي الذي يحظى به الليبراليون ومن ينتسب لليسار الغربي باعتبارهم المركز الحضاري المتسامح.. إذ أن الاحتفاظ بهذه الصورة الحسنة يخفي تعاليا ذاتيا على الآخر. يبدو أن الذي يحتل هذا المركز يحتكر لنفسه دور الراشد الذي تجاوز ما يدعى “بالخصوصيات الثقافية” و”العادات المميزة” و”التقاليد المعقدة” وبالتالي فالذي في المركز هو: ثابت لا لون له! لهذا يسمَّي غير البيض: “بالملونين”12 وهو نوع من التطفيل..13 لهذه الأقليات، فحسب هذه النظرة، هي مجموعات حساسة مازالت تتمسك بمظاهر إثنيتها المضافة والدخيلة على الغرب‪/‬المركز مما يحتم الحذر في مخاطبتها والتصرف معها‪.‬

 وهنا تتنكر الاختزالية14 في صورة الصوابية السياسية بحصر الجماعات الهامشية في محددات ثقافية ضيقة، وبالتالي يسهل على الغرب التعامل معها بل السيطرة عليها وتفادي مطالبة هذه الجماعات بحقوق مساوية لمن يحتل المركز، وإنما تبقى جماعات إثنية لها مشكلاتها الخاصة التي تمنعها من التجاوز إلى حيز العادي والطبيعي..أي المركز.

ولطالما قابلت أشخاصا ألمان بيض يبسطون أيديهم تواضعا قائلين بأنهم ‪”مجرّد ألمان ‪”بينما يدعونني بالمثير للاهتمام والاكزوتيش بسبب لوني وكوني ليبي، وغالبا ما يستدركون في اليوم اللاحق فيعتذرون ويعيدون صياغة (أي غريب15 عنهم بالتالي محل فضولهم!) تعابيرهم لتناسب أحكام الصوابية!

الصواب الأخلاقي

الصوابية في شكلها الليبي، التي سأطلق عليها الصوابية الأخلاقية، على عكس نظيرتها الغربية، لا تعتمد على صورة الفرد في المجتمع بل تصدر عن إحساس الشخص بالآخر أو عن واجب الانتماء لمجموعات ضيقة، والمثال على ذلك الجدل حول الضمائر الكويرية، فبينما يحتد النقاش حول ضرورة الالتزام باستخدام الضمائر غير التقليدية التي تناسب العبور الجندري واللاثنائية الجندرية في الغرب، فإن استخدام هذه الضمائر محصور بين فئات الكوير في ليبيا كما أنها ومهملة في هذه الدوائر الضيقة لقلة اعتماد الإحساس بالهوية على الشكل والوصف.16

يعود هذا التمايز الجذري إلى نشأة الصوابية السياسية ذاتها، ففي ليبيا هي نتاج حساسية الإنسان بمحيطه وساكنيه من الإنسان والجماد بل أنها تتعدى ذلك إلى حساسية عالية تجاه عالم الغيب سواء بالخوف أو الرغبة في التقرب منه. 

يتضح هذا حين ندرك تاريخ أسلاف الليبيين الذين فرقهم شح موارد الحياة إلى قبائل يكثر بينها النزاع، فكان السؤال عن هُوية الغريب سببا محتملا للصراع، لهذا نقول في الدارجة “منين انت بلا مصغرة؟” للتعرف على الشخص ولأي قبيلة أو بلد ينتمي فكأن السؤال بحد ذاته يحمل تحقيرا أو خوفا يستوجب النفي بقول “بلا مصغرة” (أي دون التقليل من قيمتك).

ويحضر الخوف من الغيبيات كالحسد بقوة في الثقافة المحلية، ومن ذلك يستهجن رفع الأصابع الخمسة خلال الحديث مع أحدهم حتى لا يهان السامع، فالأصابع الخمسة هي علامة الحماية من الحسد. بل يُتجنب في الحديث ذكر الحوت (وهو السمك بالدارجة) وهو من رموز الحماية من الشر والحسد فلا يقال مثلا: “تغذينا اليوم حوت” وإنما يقال: “تغذينا حاشا عيونك” أي حاشاك من أن تصبنا عينك بالحسد وهو من تقديم نفي الإهانة الذي يقابلنا كذلك في العامية المصرية في قولهم عند الدل في الشوارع: “روح لا مؤاخذة، شِمال” أي يسارا ..فالشِمال تعني أيضا الطريق غير السوي المنافي للأدب ولهذا وجب القول مقدما “لا مؤاخذة”، أي حاشاك من الشبهة… كما أنه لا يمكن أن تقول “يعطيك العافية” في المنطقة الممتدة من ليبيا حتى موريتانيا دون أن تلاقي استهجانا أو استغرابا على الأقل، فالعافية في الدارجة تعني النار ولأنها تحرق أي تؤذي، سُميت بعكس ذلك وهي العافية، وحين استقرت العافية اسما للنار أصبحت كلمة العافية بحد ذاتها غير مرغوب فيها!

العمل الفني: عمر

وتنتشر ظاهرة القلب اللغوي كما في هذا السياق عبر ثقافات إفريقية عديدة حيث تحظى تسمية الأشياء والأشخاص بأهمية كبيرة للاعتقاد بدورها ‪-‬المصيري أحيانا‪-‬ في جلب الخير ودفع الشر17 وفي الحالة الليبية تصادفنا هذه الظاهرة ضمن آداب الصوابية، ومن أمثلة ذلك أن الأعمى في الدارجة يسمى “ابّصير” أي البصير، والفقير الذي يسأل الناس يسمى “يُوهّب” أي الشخص الذي يهب المال، فصار من العيب أن تطلق على أحدهم “أعمى” أو “فقير” حتى إذا كان كذلك، أما في تونس يوصف الشخص البدين بكلمة “بصحّته” أي الصحيح المعافى حتى إذا لم يكن كذلك! 

نلاحظ أن الأمثلة الواردة خصوصا في (الصوابية الأخلاقية الليبية) ـ وهي التسمية التي تبدو أكثر ملائمة لثقافاتنا من الصوابية السياسية ـ نشأت عن الإحساس بالخوف كما قابلنا في الصوابية الأوروأمريكية بيد أن الخوف في سياقنا المحلي، هو اتقاء الأذى سواء من المحسوس أو الغيبي، فهي في الواقع لا تهتم بالتعامل مع الغريب أو المجهول لاحتوائه بقدر ما تتجنب الأذى منه وهو درس أخلفه أسلاف الليبيون بعد علاقة أزلية مع الغريب المستعمر من ناحية ومع ظواهر الطبيعة التي تحركها قوى خفية من ناحية أخرى إذ تروي إحدى الأساطير في القرن الخامس قبل الميلاد بأن قبيلة البسيلي أعلنت الحرب على الريح الجنوبية فسارو لقتالها فابتلعتهم، فبقي هذا الخوف من الريح الجنوبية حتى وقت قريب.18

نقّحت مدرسة التصوف في ليبيا هذه المخاوف وحصرت انشغال الناس بالخوف من الغيب في (تقوى الله) بوصفها القاعدة لإفشاء المودة والمعاملة الحسنة والكلام الطيب وهو ما تشترك فيه مدارس التصوف في شمال إفريقيا لاتصالها وتداخل طرقها، وتعتبر رسائل المصلح الكبير عبد السلام الأسمر لمريديه في مناطق شمال وغرب وشرق إفريقيا نموذجا لارتباط التدين بقبول ومحبة “البار والفاجر” كما جاء في رسالته لتلاميذه في المغرب حيث أضاف على هذه النصيحة الإحسان إلى المسيئ والظالم كما يقول لتلاميذه في طرابلس “اوصيكم ونفسي بتقوى الله…وبلين الجانب لكل بار وفاجر، وبالإحسان لجيرانكم، واصبروا على إذايتهم لكم..ولا تقابلوهم بضد ما فعلوا وأعفوا عنهم ..”. الأسمر الذي عاش في ليبيا خلال القرن السادس عشر الميلادي، يعد علامة فكرية فارقة في الخطاب الديني والإنساني في المنطقة،19 حيث أسهم بشكل رئيسي في تشكيل مدونة الصوابية الأخلاقية فأوجب احترام المقربين كالجيران مرورا بشرائح المجتمع المحلي حتى شمل ضرورة احترام تعددية اللغات والإثنيات الإفريقية المختلفة، فنجده يوصي تلاميذه المهتمين بدراسة اللغة العربية في تمبكتو بدولة مالي الحالية: “ولا ينبغي للنحوي أن يرى نفسه فوق غيره تكبرا..ولا يحل له أن يستهزئ بكلام الغير إذا قارنه اللحن. لأن الجل من الناس برابر وأعاجم..”.20


بيد أن هذا التراث لم يحظ بالدراسة الكافية فظنّ الرافضون في هذه البلدان أن الصوابية السياسية اختراع غربي يسعى لنشر الانحلال الأخلاقي بينما يعتبر مؤيدوها بأنها ‪-‬ بشكلها الغربي ‪-‬ الأداة الأجدى لتعزيز حقوق الإنسان، والواقع أنه ثمة مساحة في التراث الشمال إفريقي لتعزيز “حقوق الإنسان” والقيم الأخلاقية المحلية بدلا من استيراد الجدل الغربي حول الصوابية السياسية، يمكننا أن نجد توازنا معرفيا بين محاولة فهم مجتمعاتنا من الداخل لعلاج مشكلاتها من الثقافة ذاتها، وبين توسيع رقعة الصوابيات المحلية لتشمل كل مستحدث يطرأ عليها من التجارب العالمية.

  1. Political correctness.
  2. Nina Degele, “Political Correctness zwischen Gleichheit, Privilegien und Gerechtigkeit,” Außerschulische Bildung, no. 4 (2021).
  3. Cancelling.
  4. Cancel culture.
  5. Paris Will and Odessa S. Hamilton, “Is political correctness holding back progress on diversity, equality, and inclusion?” LSE Business Review, September 6, 2021.
  6. Martina Thiele, “Political correctness and Cancel Culture – a question of power! The case for a new perspective,” Journalism Research 4, no. 1(2021): 50-57.
  7. Dorian Lynskey, “How dangerous is Jordan B Peterson, the rightwing professor who ‘hit a hornets’ nest’?” The Guardian, February 7, 2018.
  8. Jordan Peterson, “Article: Message to Muslims,” July 13, 2022.
  9. استطلاع: نصف الليبيين تقريبا يعتبرون التمييز العنصري مشكلة في البلاد,” الوسط; “تونس: الخطاب العنصري للرئيس يُحرّض على موجة عنف ضد الأفارقة السود,” منظمة العفو الدولية.
  10. Tokenism.
  11. Woke.
  12. People of colour.
  13. Infantilization.
  14. Identity Reductionism.
  15. Exotisch.
  16. تازر، حرب الضمائر‫:‬ مش راجل!، جيم.
  17. Rethabile Possa-Mogoera, “A bad name is an omen: Stigmatising names amongst the Basotho,” Literator 41, no.1 (2020): 2; Gladys Udechukwu and Nkoli Nnyigide, “The religious and socio-cultural implication of African names: Igbo naming system as a paradigm,” International Journal of Arts and Humanities, 2016.
  18. عبداللطيف محمود البرغوثي، التاريخ الليبي القديم من أقدم العصور حتى الفتح الإسلامي، ص 126، مؤسسة تاوالت، 2013.
  19. أ‫.‬ العرباوي عمر‫، الأبعاد الإنسانية في المشروع الإصلاحي للأمام عبد السلام الأسمر، قراءة في مكانة المرأة والشباب كبعد اجتماعي إنساني، أعمال المؤتمر الإصلاحي ـ ‬ ‫ للعلامة أحمد القطعاني، 2023 ، ص 161.
  20. رسائل الأسمر عبد السلام بن سليم الإدريسي الحسني إلى مريديه ، جمع وتحقيق ودراسة‫:‬ مصطفى عمران رابعة، المدار الإسلامي‫،‬ 2002، ص233.