بقلم: احمد مكية
ترجمة: هبة مصطفى
هذا المقال من عدد ميادين الإيماءات
في الثامن والعشرين من مارس/آذار 2026، أثناء إحدى مسيرات “لا ملوك”1 الاحتجاجية في مدينة نيويورك، سأل ليونيل ليد، الممثل الكوميدي وأحد الشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي، أحد المتظاهرين ساخرا فقال، “أليس في التركيز على سترايتز23 “غيريي” هرمز بدلا من غايز4 “مثليي” هرمز شيء من كراهية المثليين؟” هنا، يسخر ليد من “مضيق هرمز” ويحوله من كونه ممرا مائيا جغرافيا استراتيجيا لتوزيع الطاقة والغذاء والسلع، إلى رمز لهيمنة المغايرة الجنسية. أجابه المتظاهر قائلا: ” أعتقد ببساطة أنه لطالما تعرض المثليون لتمييز شديد، وهذا خطأ على مستويات عديدة… حتى في الحروب… كل ما يتطلبه الأمر هو المزيد من الإصلاحات الحكومية وبالطبع تثقيف المجتمع وتوعيته”5.
صارت معظم التفاعلات مع هذا الفيديو الساخر، الذي انتشر على نطاق واسع تحت عنوان “حرروا مثليي هرمز”، مثالا حقيقيا على فساد نضالات التضامن العالمي من جانب جماعات “الووك”6 و”النيبو” (المحسوبيات) و”اليساريين”، الذين لا يعرفون سياق القضايا التي يدافعون عنها أو حقيقتها، وعلاوة على ذلك، يكشف الحوار عن افتراضات وفوارق دقيقة أعمق؛ فهو يتعامل مع فكرة المناصرة من أجل مضيق هرمز أو أنسنته على أنها فكرة ساذجة، لأنه ليس كائنا حيا بل نقطة عبور وخلفية جافة وخطية وتجارية لحركة البضائع المستخلصة. بالنسبة لليد، هرمز هو اسم لموقع جغرافي، وبالتالي، فإن ملاحظته تركز على التجسيد المتخيل له وتتعامل مع الهوية والانتماء ضمن هذا الموقع البحري باعتبارهما خيالا وليس حقيقة.
قد يختزل مضيق هرمز إلى مجرد منطقة اقتصادية عسكرية خالية من البشر، نظرا لأهميته الجيوسياسية، لكن المنطقة التي يقع بها المضيق ليست مجرد منطقة بحرية متداخلة لحركة السفن التي تحكمها الدول الحديثة؛ فهي هوية فاعلة وجغرافيا بشرية. في الوثائق التاريخية، توصف مملكة هرمز بأنها كانت مجتمعا قويا ذا سيادة بحرية ازدهر في الفترة بين القرنين العاشر والسادس عشر، وقد استمدت المملكة هذه القوة السياسية من موقعها في البحر وطرقها البحرية الملائمة. وكما هو الحال مع أثينا القديمة وفينيقيا ومينوا، تصف السجلات التاريخية مملكة هرمز بأنها كانت مجتمعا بحريا هجينا وكومونة محددة الموقع تضم ممتلكات متناثرة —مدنا ساحلية وجزرا وموانئ إستراتيجية— ولم تكن كتلة أرضية واحدة.
تاريخيا، كان يطلق على مواطني هذه المملكة اسم مواطني الرياح الموسمية ولم يكونوا ينتمون إلى أمة واحدة: فرسا وعربا وأتراكا وتجارا من الصين وجاوة وشرق إفريقيا، شاركوا جميعهم في التجارة العالمية للؤلؤ والخيول والأحجار الكريمة والتوابل، وكانوا هم من أطلق عليهم الأوروبيين اسم “السراسنة”، وكان التزامهم بالدين الإسلامي التزاما ظاهريا7.
وبسبب موقع المملكة وبيئتها، كانت مواطنة سكانها مواطنة متموضعة؛ فقد تعايشوا مع تيارات الرياح الموسمية والفصول وتكيفوا مع مناخ الصيف القاسي (كان يوصف في الفارسية بالجحيم) وكان الاستقرار الدائم مستحيلا عليهم. وكان يعني الانتماء إلى هذه المنطقة “السوداء”، كما وصفها الرحالة الإيطالي ماركو بولو في مذكراته، الاندماج الجماعي في بيئة هرمز وعلم الكونيات الطبيعي8. وتشير الدراسات الحديثة إلى مملكة هرمز أيضا كجزء من النموذج الأوسع للموانئ الحرة في المحيط الهندي في العصور الوسطى، وهو نموذج أشبه بـ “منطقة حكم ذاتي مؤقتة” لا سلطوية، يصف التكوينات المكانية الهامشية الاجتماعية السياسية التي تفلت من هياكل السيطرة التقليدية، وعادة ما تتلاشى هذه الأماكن بمجرد أن تلاحظ سلطة قوية عاداتها وأنشطتها9.
وفي حين أنه يمكن بسهولة تصوير المجتمعات والجغرافيا البحرية، مثل هرمز التاريخية، بشكل رومانسي على أنها مساحات جماعية انتقالية تكون فيها أشكال الانتماء مرنة ومسامية، بل ومتداخلة، إلا أن سؤالا مهما يطرح نفسه: من انتقل إلى هرمز وسكن فيها؟ إنهم الغالبية من مجتمعات منفصلة عن منطق القومية والدموية والأرض: بحارة وأقليات ومنفيون ولاجئون وأيتام وأرامل ومطاردون ومثليون.

Image: Watercolor depicting the Island of Hormuz, circa 17th century. Source: Gallica, Bibliothèque nationale de France (BnF).
Featured image: Illustration from the 16th century Portuguese Códice Casanatense showing a meal in a Portuguese household in Hormuz. The room was intentionally flooded to cool the space. Inscription: “Portuguese folk of Hormuz that are eating in water for the land is very warm.”
عندما وصل الرحالة والدبلوماسيون والضباط من آسيا وإفريقيا وأوروبا، وحتى من بلاد فارس، إلى منطقة هرمز في العصور الوسطى، انبهروا ببيئتها وسكانها، ومن أبرز السمات التي تكررت في ملاحظات هؤلاء الغرباء هي مظهر الرجال وسلوكياتهم؛ فقد وصف ابن بطوطة، خلال رحلاته عبر القارات، هرمز بأنها “كبيرة وجميلة، وبها أسواق رائعة، وسكانها رجال ذوو أخلاق رفيعة وعادات راقية. رأيت هناك قوما يجمعون بين وقار الفرس وكياسة أهل الجزيرة”10. وكتب عبد الرزاق السمرقندي، الذي سافر إليها في القرن الخامس عشر من إيران التيمورية، فقال إن سكان هرمز كانوا “يرتدون الحرير والذهب”، وأنهم كانوا يتمتعون بالجمال، وأن كلامهم كان عذبا وأخلاقهم راقية. كما شبههم بالأصنام، قاصدا بذلك أنهم كانوا يشبهون التماثيل والمنحوتات الجميلة، ويشبهون أيضا فناني المسرح، أو “التماشخانة” بالفارسية11.
ربما ينطوي استخدام كلمتي “الأصنام” و “التماشخانة” على شيء من الكاريكاتورية والمبالغة المرتبطة بسكان المنطقة الذكور، ولكنه يشير أيضا إلى الاختلاف الذي شهده المؤلف بين هذه المنطقة والبر الرئيسي الفارسي؛ فقد كانت هرمز تنتمي نظريا إلى إيران التيمورية كدويلة تابعة، ومع ذلك، فقد كانت تتناقض بشكل صارخ مع البيئة الداخلية الوعرة التي تشبه بيئة المحاربين الإمبرياليين. كما تعبر كلمة “الأصنام” أيضا عن الثقافة البصرية والمادية شديدة الزخرفة والبهرجة التي كانت موجودة في المنطقة العربية الفارسية قبل الإسلام التوحيدي الذي يرفض التشخيص والتجسيد والذي يعتبر عموما، في فلسفته، بمثابة تطهير للحواس والروح. وفي كل من كتابات ابن بطوطة والسمرقندي، يتوافق مظهر الناس أيضا مع المكان نفسه، الذي وصفاه بأنه غارق في السعي وراء الإفراط والثروة والرفاهية.
يتكرر هذا التعليق على مظهر الرجال وسلوكياتهم، والثروات الوفيرة للمدينة، ونزعة الاستعراض في كتابات ما هوان، المترجم المسلم للأميرال الصيني تشنغ خه. كان تشنغ خه بحارا صينيا مسلما، وكان من أوائل من أقاموا اتصالات مع موانئ الهند وإيران والجزيرة العربية في العصر الحديث. وشملت رحلاته التجارية العديد من المدن، ورسم بعضا من أقدم الخرائط لمنطقة هرمز والمحيط الهندي من منظور صيني إسلامي، في القرن ذاته الذي زار فيه السمرقندي المنطقة. ويصف ما هوان في تسجيلاته المصورة لرحلاته سكان هرمز بأنهم أقوياء البنية ووسيمون، وأطرافهم رشيقة ووجوههم جميلة، وأثرياء، ويرتدون أثوابا وقبعات طويلة مصنوعة من الحرير والقطن، وهادئو الطباع12.
دفعت كل لقاءات “الغرباء” أو اللقاءات الأولى مع المنطقة الكتاب إلى التعليق على عادات وتقاليد رجال هرمز والمدينة التي يعيشون فيها، وفقط عندما نقرأ السجلات المصورة لرحلات الأوروبيين، نجد كيف كان ينظر إلى هؤلاء الرجال الجذابين أنفسهم على أنهم “بغيضون”، ويوصفون تعييرا بأنهم “أنثويون”، بل وتفضح ميلوهم الجنسية المثلية، في حين أبدى ابن بطوطة والسمرقندي وما هوان إعجابهم بمظهر رجال هرمز وعاداتهم، وأشادوا بهويتهم الجندرية وأبدوا دهشتهم حيالها بدلا من رفضها.
كتب المستكشف الإيطالي لودفيكو دي فارتيما عام 1503: “سكان هرمز في غاية الأدب… الرجال غارقون في الملذات، ويستخدمون نوعا معينا من المراهم حتى تبدو أجسادهم وكأنها خالية من الشعر، مثل النساء”13، كما وصف غاسبار كوريا، مؤرخ الغزو البرتغالي لهرمز خلال حملة عام 1507 في مذكراته، سكان هرمز بأنهم “خنثويون ومنغمسون في شهوات الجسد لدرجة أنهم لا يملكون القوة اللازمة للحرب. وهم يعتمدون على ثرواتهم وتحصيناتهم كمصدر للحماية، ولكن قلوبهم كقلوب النساء”. لم يزل رجال هرمز شعر أجسادهم أو يتعطرون فحسب، بل كانوا يرتكبون أيضا “خطيئة نجسة”، هي اللواط14. ويزعم فارتيما إنهم “كانوا أيضا مدمنين بشدة على تلك الرذيلة القذرة التي لا يجوز ذكرها”15، وفي كلتا الحالتين، لا يجرؤ أي من الكاتبين على تسمية الفعل، ولكنهما يصدران حكما قيميا على شيء يعتبر، في نطاق تنشئتهما الاجتماعية الجنسية، شاذا أو مخزيا.

Image: Illustration from “Costumes des quatre parties du monde” – Hormuz, engraved in the style of Jan Luyken, 1670.
ما وجده هؤلاء المستكشفون هو نمط حياة التجار في هرمز، لا سيما بين مواطنيها الأثرياء؛ ففي جميع أنحاء العالم الإسلامي والفارسي، كان من الشائع رعاية الشبان المرد (جمع أمرد)، الذين لم تنبت لحاهم بعد، أو المخنثون، وكانوا على الأرجح يملؤون شوارع مدينة هرمز ، وكان هؤلاء الصبيان، في الأساس، يشتغلون بالجنس لدى مشتهيي الغلمان والصبيان، وكانوا يتلقون تدريبات على الموسيقى والشعر وفنون الاستحمام. وكانوا يلبسون الحرير، ويعطرون بالصندل والعنبر والمسك، وتدهن أجسامهم بمعجون “النورة”، وهو معجون كان يصنع من الجير الحي والزرنيخ الأصفر، لإضفاء مظهر يشبه الرخام على بشرتهم. وفي بعض الأحيان، كان الشبان المرد، في المرحلة العمرية التي تمتد بين الطفولة وسن الرشد، في الإمبراطورية الإسلامية الفارسية، أكثر من مجرد عاملين، بل كانوا أقرب إلى الفنانين أو لنقل، مرة أخرى، “الأصنام”16. كان ينظر إليهم على أنهم أوعية وبوابات إلى العالم الآخر، وذلك وفق ممارسة “النظرة” الصوفية، حيث وصفت مدينة هرمز، على وجه الخصوص، بأنها مكان يتجلى فيه “الإلهي” في وجوه الشبان المعطرين17.
كانت مملكة هرمز، التي تقع عند مصب الخليج، بمثابة مساحة انتقالية ذابت فيها المعتقدات التقليدية الصارمة للبر الرئيسي في جو من الرفاهية الهائلة والمرونة الإيروتيكية. هنا، تجاوزت شخصية الشاب الأمرد سياقها المحلي لتصبح موقعا مثاليا تتقاطع فيه التجارة والرغبة الروحية والغموض الجنسي18.
لم تكن هرمز ملجأ للشباب المتعطر فحسب، بل كانت أيضا مكانا تتجمع فيه المحظيات من جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط وآسيا وإفريقيا والهند. كان العديد من المشتغلين بالجنس متعلمين، ويجيدون العزف على الآلات الموسيقية، ويحسنون غناء الشعر. وشملت الممارسات الشائعة تعدد الشركاء والعلاقات الرومانسية، وعروض الغناء والرقص العامة، واستخدام الأطعمة والزيوت المثيرة للشهوة الجنسية.
علاوة على ذلك، كان المشهد الجنسي للمنطقة الشيعية الأوسع التي تنتمي إليها هرمز يبيح زواج المتعة؛ إذ يمارس هذا النوع من الزواج عادة في المدن الساحلية وطرق العبور الرئيسية، وهو حكم ديني يبيح العلاقات الجنسية المؤقتة، التي لا تهدف بالضرورة إلى الإنجاب، للأرامل والمطلقين والمهاجرين والرحالة والمجتمعات غير القادرة على الاستقرار بشكل دائم في مكان ما أو المنبوذين بسبب المعايير الجنسية المحافظة. تحدث الزيجات المؤقتة القائمة على المتعة في جميع أنحاء المناطق الساحلية المحاذية للمحيط الهندي، مثل جزر المالديف، وفي الدول الشيعية، أي العراق وإيران، وتعتبر وسيلة رئيسية لإدرار الدخل للنساء المستقلات والعازبات حتى اليوم. وفي حالة هرمز، وبسبب الرياح الموسمية التي كانت تسودها، تقطعت السبل بآلاف الرجال لعدة أشهر في انتظار تغير الرياح، وبالتالي دخلوا في زيجات قانونية مؤقتة مع نساء محليات أو مهاجرات وقيان (جواري مغنيات) طوال مدة موسم الإبحار19.
عندما نستكشف السرديات المتعلقة بالجنس والجسد والانتماء والمواطنة في هرمز، نجد أن أنماط الحياة والمجتمعات الاجتماعية هذه تتناقض بشكل صارخ مع المراكز التجارية البرية والجمعيات الدينية للإمبراطوريات والأمم المبكرة، التي عادة ما تتحدد من خلال حصاد الأرض وجمع الضرائب، ومن يقسم هويتها ويحددها على أساس الطبقة واسم العائلة، ومن يفرضون الولاء لقوة عليا نائية ومهيمنة، سواء كانت عاصمة مدينة أو زعامة روحية.
تكشف هذه السرديات عن تناقض واضح؛ فقد كانت أجساد سكان هرمز عرضة لتقلبات الرياح والصدفة، واللذة والتجانب؛ فهي لا تخضع لسيطرة الغزو السياسي الحيوي أو الهيمنة المؤسسية. يجسد الرحالة الأوروبي، بل وحتى سكان البر الرئيسي “الأصليون”، الذين زاروا المنطقة، صورة الغازي الفاتح الأشعث والخجول، الذي ينظر إلى هذه المنطقة باشمئزاز ونفور، وأيضا بشهوة ورغبة. أما سكان هرمز، فإنهم يتعطرون ويتأنقون ويستحمون وهم مثقفون وأصحاب أجساد حسية، وبتعديل أجسادهم ومظهرهم وإبرازهما، فإنهم يعبرون عن تحولهم من حالة “محاربة” إلى حالة “متحضرة” و”مسرحية”، ومن هنا جاءت الحاجة، من الناحية الكونية والروحية، إلى حكمهم وفرض الانضباط عليهم، أو كما قال غاسبار: “سلمهم ربنا إلى يد الحاكم”20.

Image: Illustration from the 16th century Portuguese Códice Casanatense depicting a bathing scene in the city of Muscat, Oman. Inscription: “Muscat lies on the coast of Arabia and is subject to the King of Hormuz.”
وفي حين أن العالمين العربي والفارسي يشكلان جزءا مما يسمى بالعالم المأهول، او “المعمورة”، لتاريخ الحضارات العالمية، فإن هذا يقتصر على منطقة الهلال الخصيب والبحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين . وقد برز نفوذ القبائل اليمنية وقبائل جنوب الجزيرة العربية في هذا العالم المأهول مع هجرة الدعوة الإسلامية في القرن السابع الميلادي وقدرتها على التواصل والاندماج مع مناطق شديدة التباين من العالم. وكان الانتشار الروحي اقتصاديا أيضا؛ فقد حلت السفن التي كانت تبحر في المحيط الهندي محل طرق التجارة البرية التاريخية بين أوروبا وآسيا لتربط الموانئ على طول السواحل الآسيوية والأفريقية وتنشئ ما يعرف اليوم بعالم المحيط الهندي، من مومباسا إلى سنغافورة ومن كولومبو إلى هرمز21.
وكان هذا العالم المحيط بالمحيط الهندي هو ما قطع البرتغاليون أواصره عندما استعمروا هرمز وسواحل اليمن والخليج بأكملها، وجزيرة البحرين، وباب المندب، والبصرة، والقطيف، وفي نهاية المطاف جزيرتي غوا وماكاو الهنديتين والصينيتين. وقد أطلق القائد البرتفالي المستعمر ألفونسو دي ألبوكيرك على مضيق هرمز “مفتاح الشرق” وكان أول من فرض رسوم عبور على جميع السفن فيه، كان هو وجيشه سببا في القضاء على تنوع الميناء الجنسي والاجتماعي.”22.
تحولت هرمز تحت قيادته من مدينة ساحلية إلى مركز محصن للحكم الإمبريالي، وخلال فترة احتلال دامت قرابة 116 عاما، تغير طابع المدينة تماما من العمارة الطينية والملحية إلى العمارة الحجرية، أي الحاميات والحصون، وأصبحت تتركز حول مدينة قلعة “سيدة الحمل ذات الأسوار”، وتعرف اليوم باسم حصن هرمز البرتغالي ذي الأسوار، وتوجد آثار مشابهة له على طول سواحل إيران والخليج، مثل مدينة جلفار/الحمراء التاريخية في رأس الخيمة، وخورفكان ومسندم ودبا وكلباء في منطقتي قلهات وصحار العمانيتين ، بالإضافة إلى جزر قشم، والبحرين، وكيش، وأبو موسى، وطنب الصغرى، وطنب الكبرى. وكان ألفونزو دي ألبوكيرك أيضا أول من سيطر سيطرة كاملة على المضيق، وفرض رسوم عبور على جميع السفن المارة، متجاوزا بذلك التوازنات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القائمة.
بنى ألبوكيرك في جزيرة هرمز، التي كانت تعرف تاريخيا باسم جارون، عاصمة مملكة هرمز، حصنا كان معزولا في الأصل عن بقية الجزيرة بخندق عميق. وأدى هذا التغيير المعماري إلى إضعاف المدينة بفصل مركز السلطة، أي الحصن، عن مركز الترفيه والتجارة، السوق، ولم تعد السلطة موزعة عبر السوق، وأصبحت تتركز في نقطة حجرية واحدة صلبة. ولتوفير خطوط رماية واضحة للمدافع البرتغالية، أخلى ألبوكيرك المناطق المحيطة بالحصن، وهدم المباني متعددة الاستخدامات والحمامات والملاجئ المؤقتة لتوفير منطقة نشطة للمراقبة والهجوم المحتمل، وبهذا حل الجلاء اللازم للمراقبة الاستعمارية محل خصوصية الأزقة.
وفي ظل الحكم البرتغالي، أُجبر الحكام العسكريون كبار التجار على النزوح، وشجع ألبوكيرك جنوده على الزواج من نساء محليات، غالبا من عائلات النخب المهزومة، لتكوين طبقة من المستوطنين المتزوجين. وكانت هذه خطوة لتوطين السكان الذين كانوا في حالة تنقل دائم. وفي حادثة شهيرة وقعت عام 1507، أجبر ألبوكيرك قادته ونخب المنطقة على حمل الحجارة لبناء الحصن، وبالنسبة لطبقة التجار التي كانت تعرف نفسها بسلوكياتها الراقية وأجسادها الممشوق، كان هذا العمل اليدوي بمثابة تجريد رمزي من مكانتها الاجتماعية المرموقة. أعادت هيمنة النظام الأبوي الذي فرضه ألبوكيرك تشكيل الجسد من وعاء للمتعة إلى وعاء للعمل الشاق. وغرس هذا النظام عقلية صليبية في جميع أنحاء منطقة هرمز تنظر إلى رجال المدينة المتعطرين، الذين يميلون إلى “الفسق الشنيع”، لا كاختلاف ثقافي، بل كعبء عسكري. وتظهر التقارير التي وصلت إلينا من هذه الحقبة محاولة منهجية لتصنيف المثلية الجنسية، والدعارة، والعلاقات الجنسية غير الإنجابية على أنها أمراض وتصويرها على أنها “خطيئة”، هو ما بررت به الأساليب الاستعمارية الوحشية ضدهم باعتبارها “استعادة للنظام”23.
وبفرض البنية الأبوية الجامدة للأسرة الكاثوليكية، سعى البرتغاليون إلى القضاء على الزيجات الموسمية، والشبان المرد، والعلاقات الحميمة المتنامية التي كانت تشكل الهوية الجنسية للمدينة. وأصبحت حالة الانتقالية التي كانت تمر بها هرمز فضاء يمكن الهيمنة عليه وممرا محصنا لوظائف الرأسمالية الاستخراجية، كما تحولت السمات المرتبطة بالمجتمع الذكوري في هرمز إلى المنطق الأخلاقي والاستعماري للغازي البرتغالي المسيطر: ينظر إلى الرجل الهرمزي، ذي البشرة الناعمة والمستغرق في اللذة، بوصفه محلاً لتلقي المتعة، لا طرفاً فاعلاً للغزو.
كان تخنيث ممارسات الهوية أو إضفاء الطابع المثلي عليها في هرمز نابعا من أن الثقافة الجنسية في الإمبراطورية التقليدية، حتى إمبراطورية إيران التيمورية، لم تكن تتمحور حول التركيبة السكانية والإنجاب أو الميراث والملكية، بل كان هناك اهتمام بفعل الجماع كغاية في حد ذاته، وهذا يرعب الثقافة المحافظة المهذبة، كما هو الحال في المثال البرتغالي ومن خلال النظام الأبوي المؤسسي والتمييز بين الجنسين، فإذا كان الرجل “منغمسا في المتعة الشرجية” مع شاب متعطر أو زوجة موسمية، فهذا يعني أنه لا يستثمر في منطق التكاثر وتحسين النسل “للجنس البشري” بأكمله.
بالإضافة إلى ذلك، كانت منطقة هرمز قبة ملحية عقيمة، وفي المنطق الإمبريالي التقليدي، تعتبر الأرض التي لا تنتج أرضا عاقر أو قاحلة، وببناء عاصمة تجارية عالمية على أرض غير منتجة، قوضت هرمز الرابطة الأبوية بين الخصوبة والأرض والدولة؛ فلم تأت ثروتها من “رحم” الوطن الأم، بل من خلال التجارة والتعددية، والإمبراطورية تريد حدودا ثابتة. .. وكانت هرمز ميناء متغيرا، والرجولة تريد القوة والصلابة… وكانت هرمز تحتفي بالجنس والموسيقى واللهو، والقومية تريد نقاء عرقيا … وكانت هرمز بوتقة انصهار تحركها البيئة وتكشف أن الإمبريالية كارهة للمثليين/ات والكويريين/ات بطبيعتها لأنها تخشى المرونة والغموض وعدم الوضوح.
الإمبريالية التقليدية بدائية للغاية ومرتبطة بالأرض والحدود، تماما مثل منشئيها؛ فهم يعرفون السلطة بغزو الأرض، ورسم الحدود، والسيطرة على الموارد، وحماية “الوطن الأم” الثابت، ويستلزم هذا نوعا محددا من الذكورة المفرطة —الجندي المستوطن المتجذر في أرضه والذي لا يلين؛ فالرجل المتعطر الذي تربطه علاقات اجتماعية وعاطفية بالآخرين يصعب تجنيده في حرب إقليمية أكثر من الرجل المنتمي لشعبه وأرضه.

Image: Map of the Kingdom of Hormuz at its greatest extent, c. 1400 CE. Source: Mohammed Hatem,
History of the Huwala Arabs: A Documentary Historical Study (1997).
تجاوزت هرمز ذلك وأسست مجتمعا مختلفا تماما يقوم على الروابط والعلاقات المتبادلة بين الأفراد. لم يحكمها منطق الدوافع الغريزية ولا دائرة البقاء للأقوى، واختارت التعامل مع الهوية كموقع للمتعة لا كقالب جامد ومقيد، وكان عليها أن تتوحد مع الفصول والبيئات والتغيرات بدلا من الأيديولوجيات والجيوش.
ولهذا كان لا بد من الاستيلاء عليها وتدميرها.
في اللغة الفارسية الوسطى —اللغة الأدبية للإمبراطورية الساسانية (224-651 م) —يوصف الجماع الشرجي بمصطلح “كون-مرزى”، الذي يعني حرفيا “فرك الأرداف”، وفي اللغة الفارسية الحديثة، تعني كلمة “مرزى” “الحدود”، كما في حدود الدولة أو الوطن، وتستخدم الكلمة العربية “تجاوز” لوصف كل من “الاغتصاب” و”غزو” بلد لآخر. وهكذا، يضفي الخطاب القومي الإيراني القدسية على حماية الحدود الوطنية “للوطن” من الغزو الأجنبي باعتبارها مسألة “شرف” ذكوري24.
- No Kings.
- Straights.
- في السؤال لعب على الألفاظ، ففي الإنكليزية تُنطق كلمتا “straight” (مغاير/ة الجنس) و”strait” (مضيق) بالطريقة ذاتها، أما “غايز” فهي تعريب للأصل الإنكليزي “gays” (مثليون).
- Gays.
- فيديو “لا ملوك: حرروا مثليي هرمز”/تم الاطلاع عليه في 27 أبريل/نيسان 2026، يوتيوب.
- كانت كلمة “Woke” تعني حرفيا “استيقظ”، وأصبحت تستخدم لتعني التيقظ للظلم والتمييز العنصريين، ومع الوقت وبسبب الاستقطاب الحاد في الثقافة الأمريكية، تطور استخدام الكلمة وأصبح يستخدمها المحافظون للسخرية من سياسات النخبة الليبرالية ومواقفها وأفكارها.
- ماركو بولو، “رحلات ماركو بولو” (ترجمة هنري يول، المجلد 1، الفصل 40).
- من المرجح أن وصف السكان بأنهم “سود” في هذه الفترة يعكس التركيبة العرقية المتنوعة للميناء البحري، الذي جذب عددا كبيرا من البحارة والتجار والعمال المستعبدين من جميع أنحاء المحيط الهندي، والساحل الشرقي لإفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
- انظر/ي حكيم بك، “يوتوبيا القراصنة: القراصنة المغاربة والمنشقون الأوروبيون والانجراف المقدس: مقالات عن هوامش الإسلام” (1993).
- ابن بطوطة، “رحلات ابن بطوطة” (المجلد الثاني، الفصل الخاص بمدينة هرمز)، 1325-1354 م.
- الاقتباس الأصلي بالفرسية هو “[…و اهل آن بلده به غایت متجمل و با زینتاند، چنانکه گویی صنمی در تماشاخانه روزگار پدید آمدهاند]”. كمال الدين عبد الرزاق السمرقندي، “مطلع السعدين ومجمع البحرين”، تحقيق. عبد الحسين نوايي (طهران: مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگی، 1993).
- ما هوان، “يينغ ياي شنغ لان: المسح الشامل لشواطئ المحيط” (1433)، ترجمة وتحرير جاي. في. جي. ميلز (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج لصالح جمعية هاكلوت، 1970).
- لودفيكو دي فارتيما، “رحلة لودفيكو دي فارتيما من بولونيا، من 1502 إلى 1508″، ترجمة جون وينتر جونز (لندن: جمعية هاكلوت، 1863).
- غاسبار كوريا، “رحلات فاسكو دا غاما الثلاثة ونائب الملك: من أساطير الهند، ترجمة. هنري إي. جاي. ستانلي.
- المرجع السابق.
- انظر/ي خالد الرويهب، “قبل المثلية الجنسية في العالم العربي الإسلامي، 1500-1800” (مطبعة جامعة شيكاغو، 2005)، وداستن، إم.، وفيريرا، إن.، وماتين، كيه.، ورضائي-طروقي، إم.، وسولواغا، آي. (2026). “من الأمرد إلى ‘المثلي’: تشكيل الهوية الكويرية في إيران”. في “نزع الاستعمار عن هجرة الكويريين والكويريات: أصوات إيرانية في المنفى (ص 34-56). مطبعة جامعة بريستول.
- انظر/ي عبد الوهاب بوحديبة، الجنسانية في الإسلام (دار الساقي للنشر، ١٩٩٨) للاطلاع على العادات الإسلامية المتعلقة بتنعيم البشرة، وجيمس أتكينسون (مترجم)، “عادات وتقاليد نساء بلاد فارس (الجمعية الملكية الآسيوية، ١٨٣٢) للاطلاع على استخدامات النورة.
- حكيم بك، “الانجراف المقدس: مقالات عن هوامش الإسلام” (أوتونوميديا ،1993، ص 45).
- انظر/ي ملاحظات ابن بطوطة حول زواج المتعة في المناطق الساحلية المحاذية للمحيط الهندي، وكذلك مذكرات باربوسا عن القيان والجواري، وكذلك كتابي حكيم بك: “الانجراف المقدس: مقالات عن هوامش الإسلام” (1993) و”ناسج الحكايات: السجاد الفارسي التصويري” (1980)، الذي شارك في تأليفه مع كارل شلامينغر، للاطلاع على السلوكيات الجنسية العامة السائدة في هرمز والعادات الصوفية.
- غاسبار كوريا، “أساطير الهند”، المجلد الأول (لشبونة: Typographia da Academia Real das Sciencias، 1858).
- انظر/ي تشودري، كيرتي نارايان. 2008. “التجارة والحضارة في المحيط الهندي: تاريخ اقتصادي من ظهور الإسلام حتى عام 1750”. مطبعة جامعة كامبريدج، وتاغلياكوزو، إيريك. 2022. “في المياه الآسيوية: عوالم المحيط من اليمن إلى يوكوهاما. مطبعة جامعة برنستون.
- “رسائل ألفونسو دي ألبوكيرك”/”تعليقات ألفونسو دي ألبوكيرك العظيم، النائب الثاني للملك في الهند”، ترجمة والتر دي غراي بيرش (لندن: جمعية هاكلوت، ١٨٧٥-١٨٨٤).
- “تعليقات ألفونسو دي ألبوكيرك العظيم، النائب الثاني للملك في الهند”، ترجمة والتر دي غراي بيرش، جمعية هاكلوت، السلسلة الأولى، رقم 53 و55 و62 و69، (لندن، 1875).
- داستن، إم.، وفيريرا، إن.، وماتين، كيه.، ورضائي-طروقي، إم.، وسولواغا، آي. (2026). “من الأمرد إلى ‘المثلي’: تشكيل الهوية الكويرية في إيران”. في “نزع الاستعمار عن هجرة الكويريين والكويريات: أصوات إيرانية في المنفى (ص 34-56). مطبعة جامعة بريستول، ص 36.
