English

هل ننظر إلى الفن بعدسة غربية؟ وهل الفن ملزم بالقيم؟ من يحدد هذه القيم؟ ووفق أي كيفية؟ ينطلق هذا العدد من سؤال بسيط وقاسٍ: كيف يمكن أن نفهم دور الفن حين تُباد الشعوب، وتُمحى المدن، وتُختزل الحياة إلى صور عابرة على الشاشات؟ من “الشرق الأوسط” إلى أماكن أخرى مثقلة بالعنف الاستعماري، نقترب من الفن بوصفه مساحة يتقاطع فيها الجسد مع الذاكرة، والروح مع السياسة، حيث لا يكون الخلق ممكنًا إلا عبر مواجهة الفقد، لا الهروب منه.

نستكشف في هذا العدد كيف تتشكل الممارسات الفنية تحت الحصار والنزوح والانهيار البيئي، وكيف تعيد تعريف معنى الإبداع ذاته. من الأرشيفات العائلية كمساحات للذاكرة، إلى تفكيك الأغنية الملتزمة، ومن محاولات رسم خرائط للتاريخ، إلى صور تعجز عن احتواء وطنٍ يحترق، نبحث في ما يبقى، وما يُمحى، وما يُعاد تخيّله. هنا، يصبح الفن ممارسة روحية أيضًا: استدعاءً للأرواح، وللذين فُقدوا، ولأمكنة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة أو الحلم.

وأحيانًا، يكون الرفض هو الفعل الأكثر صدقًا. في هذا العدد، نلتقي بفنانين اختاروا الخروج من العقد القديم بين الفن والمؤسسة، بين الإبداع والاحتواء. حين أحرق الفنان الإيراني پرهام قلمدار أعماله في حقل مفتوح شمال إنجلترا، لم يكن يدمّر، بل كان يُعيد السؤال إلى بدايته: لمن يُوجد الفن؟ وماذا يفعل حين لا يكفي؟

كما يطرح العدد أسئلة حول موقع الفن داخل النضالات: كيف يشارك الفنانون في حركات العدالة أو يعيدون تشكيلها؟ كيف يواجهون محاولات محوهم عبر الرقابة، أو احتوائهم عبر المؤسسات والغسيل الثقافي؟ في مواجهة الرأسمالية التي تسعى لتفريغ الفن من قوته السياسية، نلتفت إلى الاستراتيجيات الجماعية والهامشية التي تعيد للفن قدرته على الرفض والتمرد.

Artwork: Sculpture ‘What Lasts! (Grave)’ by Ahmed Umar, 2016.

Featured image: ‘Fathallah SaadEx Libris by Emily Jacir, 2014.

يمتد هذا العدد أيضًا نحو الهويات التي تسكن المساحات البينية، تلك التي لا تُعرف بالحدود بل بحركة الرياح. نعود إلى هرمز لا بوصفها ممرًا جيوسياسيًا، بل مجتمعًا من البحارة والمهاجرين والحيوات الكويرية التي عاشت خارج تصنيفات الوطن والنسب. ونتساءل: ماذا يحدث حين تتبع الهوية أدراج الرياح بدلًا من الحدود؟

وعلى الخشبة، في برلين وفي أماكن أخرى، نرى كيف تلتقي الكويرية والعروبة بمعناهما المطلق لا بوصفهما تناقضًا يحتاج تفسيرًا، بل ثقافةً تُحتفى بها. يظهر الأداء كذاكرة، وكرعاية، وكتمرد. وعلى الهامش الأفريقي، نتتبع كيف تُعاد رسم خرائط العنف الاجتماعي من خلال الصورة، من أفلام نوليوود في مطلع الألفية إلى السياسات التي تمزق المجتمعات اليوم، لأن ما يحدث في الهامش دائمًا ما يكون إنذارًا لما هو آتٍ.

كما يرافق هذا العدد اختيار ضيوف أغلفة مُنتقاة بعناية من قِبل فريقنا الإبداعي، وسلسلة مقالات تجمعها خيوط هذا العدد وتنسجها. شخصيات تحمل تاريخًا وصوتًا وأثرًا، بعضهم لا يزال يخوض معارك وجودية في ظل الحرب والقمع، وبعضهم يوظّف فنه سلاحًا ضد أجندات تسعى لمحوه، وكلهم يُذكروننا بأن الفن لم يكن يومًا زينةً، بل موقفًا. 

في نهاية المطاف، هذه مسألة تتعلق بالإيماءات التي يُعبِّر عنها الجسد قبل أن تستطيع اللغة التعبير عنها كاملةً. عدد “ميادين الإيماءات” هو المكان الذي تبدأ فيه الحركات، وتتشكّل فيه المعاني، وتنبثق منه إمكانيات جديدة.

من نقطة الصفر إلى الحطام الرقمي، الهوامش منفذة.1 ندعو القراء إلى العبور من خلال هذه الأعمال، ومشاهدة ما يتشكّل من المواجهة والإبادة والفاعلية. في التعاون مع مساهي/ات (فنانين وكتّاب) هذا العدد، نرى درباً حائراً وسط القمع والإبادة الجماعية.2 عبر أعمالهم، يسلطون الضوء على ما تحاول حكوماتنا إخفاءه: الغضب والرفض. هذا التمرد يتوافق مع اختيارهم تخيّل ما هو مغاير.3 وكثيرٌ من هذه المقاومة يبدأ في الميادين الحميمة المقيَّدة بالقمع: الأبوية والرأسمالية.

إن لم نكتب أو نبتكر، فمن سيفعل ذلك؟ وما الثمن؟ إذ لكي نخلق ونفكر ونُوثِّق، نحتاج إلى التعاون والتواصل (مع شيء ما؛ مع أي شيء). وإن لم نفعل ذلك لأنفسنا، نخسر سلاحاً بالغ الأهمية في مسيرتنا الشائكة: صوتنا، وتاريخنا، وروابطنا. ولعل هذا بالضبط ما تمنحه الهوامش: فثمة أشكال بديلة من الحياة تُمارَس هناك بالفعل.

تستعرض هذه النصوص الهامش بوصفه موقع قوة. ولأنها نفّاذة، فكثير من هذه الأعمال تفيض إلى خطوط المواجهة. إما بمنحنا أدوات جديدة أو شعارات أو تتجلى أفعالا أو استفزازا أو غضبا أو مواجهة – أو إن كان لا بد من الموت، فعلى الأقل أن تروي حكاياتها.4

  1. نوال السعداوي، «امرأة عند نقطة الصفر».
  2. Saaidya Hartman’s “Wayward Lives, Beautiful Experiments: Intimate Histories of Riotous Black Girls, Troublesome Women, and Queer Radicals”.
  3. Lola Olufemi’s “Experiments in Imagining Otherwise”.
  4. رفعت العرعير، «إذا كان لا بدّ أن أموت».