English

كلمات وعمل فني: پرهام قلمدار
الصورة المميزة: مشاهد من فيلم البصر جرح، تعرض حرق أكثر من خمسين لوحة فنية. تصوير سينمائي: دي بريفلي، مخرج ومؤسس كوستيك كوستال
هذا المقال من عدد ميادين الإيماءات

أنجزت عمل البصر جرح استجابة للإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة. كانت لحظة بدا فيها الرسم بين يديّ مفرغا أخلاقيا. كانت الحرب تصلنا بوصفها صورة في كل دقيقة عبر الهواتف والمحتوى والمقاطع المصورة وإعادات النشر. شوهد الموت وتداول وخضع  للجدل، وسطح حتى يتحول إلى محتوى. في ظل تلك الظروف، لم أعد قادرا على الوثوق بالوعد القديم القائل بأن العمل الفني قد يوضح ما يلامسه، أو يسمو به، أو يخلّصه. لم أرغب في رسم الرعب. ولا أردت تجميل الحزن. ولم أرغب في إضافة صورة أخرى لعالم يغرق أصلا في صور لا تحتمل.

لذلك قررت أن أحرق أكثر من خمسين لوحة من لوحاتي.

بعضها كان صغيرا، والبعض الآخر كبيرا. منها ما عرض في معارض مؤسساتية وتجارية حول العالم. وأخرى رافقتني لسنوات. أحرقتها في فضاء مفتوح شمال إنجلترا، وصورت العملية بأكملها. كان الأمر أقرب إلى أداء خاص للفجيعة، للجنازة. المهم بالنسبة لي كان الرفض. أردت دفع الرسم إلى نقطة الانهيار، وأن أبقى مع ذلك الانهيار أمدا كافيا لأتعلم منه. كانت النار وسيلة لإنهاء العلاقة بصناعة الصورة التي لم أعد قادرا على الدفاع عنها.

لوحات الألوان للوحات المحرقة، تم تصويرها كبقايا محفوظة من عمل الاستوديو

نبع هذا الرفض من الغضب، لكنه أيضا إنهاك من الوسيط الفني الذي بلغ حدوده. لأشهر طويلة، شعرت باتساع الفجوة بين استعجال الواقع السياسي والطقوس البطيئة لاستوديو الرسم. ثمة شيء فاحش في فكرة مواصلة شد القماش على الكانفاز ومزج الألوان وصقل الأسطح والحديث عن الفوارق الرفيعة بينما كانت الإبادة الجماعية تبث مباشرة أمام أعين الجميع.

لا أقول إن الفن مطالب بمواجهة الحرب بصورة مباشرة. ما أقوله هو أنني في هذه الحالة بلغت حدّي. انهارت العلاقة بين الرسم والشهادة. وبدا وكأن إطار اللوحة نفسه صار متواطئا. إذ أن التأطير اختيار، والاختيار بالضرورة هو ترك أشياء خارج المشهد. في ظل هذه الظروف، أدركت أن انتباهنا نفسه قد صار مقيدًا ومساومًا.

خرج الفيلم من قلب تلك الأزمة. شكّلته غزة، وشكله الشعور بالعجز أمام مشاهدة الموت الجماعي العابر عبر أنظمة صور صُممت للسرعة والتشتيت والتكرار. ومع ذلك، ثمة خوف آخر قابع بصمت في الخلفية. لم أستطع نفض فكرة أن هذا العنف سيأتي يوما إلى شعبي كذلك. آنذاك، ظل ذلك الخوف في الهامش، غير مكتمل الملامح، أشبه بضغط دائم منه إلى موقف معلن. لم أكن أعلم مدى السرعة التي سيتغير بها السياق المحيط بالعمل. لكنني كنت مدركا تماما أنني أجلس إلى المائدة نفسها التي يقدّم فيها النار للفلسطينيين.

مرّ الوقت، وتغير الفيلم بالنسبة إلي. ما بدأ كعمل تشكل بفعل غزة، أصبح أيضا جزئيا عملا يعيدني إلى إيران. ولا أقول ذلك لطمس الفوارق بين الأرضين أو لطّي إحداهما داخل الأخرى. فتاريخهما ليس واحدا، وظروفهما ليست واحدة. لكن الحرب تتحرك. وأنظمة إنتاج صورها تتحرك معها. والخوف يتحرك معها أيضا. يمكن لعمل فني كهذا أن يظل على حاله ماديا، بينما تتعمق حمولته السياسية وتتسع وتتصلب. ما صنعته انطلاقا من جرح واحد، بات يتكلم اليوم عبر جرح آخر.

واجهة عرض لوحات الألوان المتيبسة من الاستوديو، معروضة كبقايا جنائية ضمن إقامة مشروع العين الجيدة / ربيع 2025

بعد الحرق، لم يعد من الممكن العودة إلى المرسم ومواصلة العمل كما لو أن شيئا لم يحدث. ولم أعد قادرا على التعامل وكأن النار مهدت الطريق لبداية جديدة. تغير المرسم نفسه، ولم يعد مكانا للاختراع أو الابتكار، وصار أشبه بموقع بعد حدث. وجدت نفسي أنظر لما تركه الحدث: الرماد والدعامات المتضررة والصور الثابتة المجتزأة من الفيلم، وألواح الألوان اليابسة التي تراكمت عبر سنوات من العمل. هذه ليست أعمالا جديدة، لم أعد مهتما ما إذا كانت فنا أم لا، كانت بقايا وشواهد. ومع ذلك، بدا لي أنها تحمل قدرا من الحقيقة يفوق ما يمكن لأي قماش جديد أن يحمله.

قادني هذا التحول إلى نوع مختلف من الانتباه. توقفت عن التساؤل عما يمكنني أن أصنع، وشرعت أسأل عما تبقى. لاحقا خلال إقامة فنية، تعاملت مع المرسم بوصفه موقع أدلة أكثر منه موقعا للإنتاج. لم تعد الأدوات الموجودة أدوات تنتظر الاستخدام، بل أصبحت سجلات ووثائق. تغير المزاج معها. فقد المرسم هالته الرومانسية. صار باردا ومتقشفا ودقيقا. لم أعد أبحث عن التعبير بل عن الأثر المتبقي، عن ممارسة جذرية لانتقاء المتبقي بعد الكارثة.

أصبحت ألواح الألوان اليابسة في قلب هذا التحول. احتوت هذه الحاويات البلاستيكية الصغيرة يوما خليطا من الألوان الزيتية والأصباغ، والمذيبات والغبار والزمن والتردد. كانت أشياء عابرة ومتواضعة، لم تصنع قط بغرض العرض. وجدت على هامش العمل، قريبة من اليد، وقريبة من الجهد، وقريبة من التكرار. بعد الفيلم، بدت لي كأرشيفات مضغوطة للوحات التي احترقت. لم تختف ألوانها، لكنها تجمدت وتكثفت. لم تعد تنفتح إلى الخارج لتشكل صورة. بل استقرت هناك في ترسبات كثيفة متخثرة ومشققة، كأنها مادة خلفها صدام عنيف.

مشهد مقرّب من لوحة الألوان المتيبسة، تظهر طبقات كثيفة من الصباغة والبقايا.

بدأت أصور هذه الألواح من الأعلى ومن الجانب وعن قرب. أردت تفحصها بعناية باردة ومنفصلة، أشبه بالسجل الجنائي، مع الإبقاء على تلك القوة الغريبة التي تسكنها. إنها قبيحة ومفعمة بالحياة في آن واحد. تحمل اللذة والإخفاق في نفس الجسد. ولا زالت تحتفظ بإغواء اللون، لكن ذلك الإغواء محاصر الآن داخل طريق مسدود. ما كان يوما في خدمة الرسم هو الآن مخلّفات وراءه. بهذا المعنى، تقول هذه الألواح ما لم تستطع اللوحات المكتملة أن تقوله أبدا. فهي تكشف العملية بعد انهيار وعدها. تصبح الصبغة سياسية قبل أن ترسم السياسة أو تمثلها. فالصباغة تكشف علاقتها بالسلطة قبل أن تصور السلطة نفسها.

أما الصورة الثابتة المجتزأة من الفيلم فقد مرت بتحول مشابه. بمجرد طباعتها وعرضها، لم تعد تؤدي وظيفة التوثيق لفعل وقع وانتهى فحسب. لقد أصبحت صورة لاحقة، أو أثرا بصريا متبقيا، يعيد اختراق فضاءات العرض حاملا معه ذاكرة الدمار. تكمن أهمية الأمر كون الصورة عادت إلى المؤسسات بعد أن كانت اللوحات نفسها قد حُجبت. تشتعل النار مرة واحدة، لكن صورتها تواصل الظهور في المعارض والإقامات الفنية وفضاءات العرض، طارحة في كل مرة سؤالا مربكا: ماذا يعني عرض نهاية الرسم داخل البنى نفسها التي منحت الرسمات مكانتها وهيبتها وحياتها؟

صورة لمعرض البصر جرح، مطبوعة على ألومينوم، ومثبتة بطين ورماد من اللوحات المحروقة. معروضة في مشروع العين الجيدة 2026 في صالة عرض ساعتاشي، من 29 يناير إلى 1 مارس 2026. الصور لمعرض مشروع العين الجديدة وصالة عرض ساعتاشي. المزيد من المعلومات

لا أعتقد أن العمل يقدم إجابة. وهنا لا أثق كثيرا في الإجابات، إن ما يقدمه هو نقطة ضغط، رفض للاستمرار كما لو أن صناعة الصورة فعل بريئ، رفض لأن يستدرك الرسم عاداته بهدوء بعد أن تغيّر العالم من حوله. ورفض أيضا لمهارة عالم الفن في امتصاص كل أزمة وتحويلها إلى خطاب، وكل جرح إلى شكل، وكل خراب إلى عرض. بأن الآلة لا تزال تعمل. وأنا مدرك بأن هذا العمل يدخل إليها بدوره. فليس هناك خارج طاهر. لكن ما زالت هناك إيماءات قادرة على تعطيل السطح، وإبطاء التدفق السلس، وفرض نوع آخر من المواجهة.

هذا موقع هذا العمل بالنسبة لي الآن، فيلم وُلد من مشاهدة إبادة جماعية تبث مباشرة في غزة. خوف تحول نحو إيران. مرسم جُرّد من الراحة. ألواح الألوان والرماد وصور التركيب التي لا تعيد بناء ما فُقد، ولا تدعي شفاءه، بل تبقى مع البقايا. تتساءل هذه العناصر عما تصير الصورة عندما تعجز عن حمل الوزن الذي أسند إليها، وعن أي نوع من الممارسة الإبداعية أو التمرين الفلسفي أو ربما حتى الخيال السياسي، لا يزال ممكنا بعد نقطة الانهيار.