English

بقلم: نزيهة سعيد
العمل الفني: عمر
هذا المقال من عدد سنة ورا سنة

أعربت الكوميدية الأمريكية المثلية جيسيكا كيرسون عن “ندمها الصادق” لتقديمها عرضًا في مهرجان الرياض الكوميدي في المملكة العربية السعودية، قائلةً إنها أرادت “مساعدة مجتمع الميم عين في المملكة على الشعور بالتقدير والاهتمام، أنا ممتنة لأنني تمكنت من القيام بذلك – على حد علمي، أنا أول كوميدية تُعلن عن مثليتها الجنسية تتحدث عن ذلك على خشبة المسرح في المملكة”.

في الوقت نفسه، عبرت عن عميق الأسف للمشاركة تحت رعاية الحكومة السعودية التي تُجرّم مجتمع الميم عين بشدة. إلا أن ناشطين/ات سعوديين/ات من مجتمع الميم عين يرون أن هذه الخطوات هي ضمن بروبغندا حكومية لتلميع صورتها وتغطية الانتهاكات التي تمارس تحت السطح.

وكانت منظمة هيومان رايتس ووتش قد انتقدت المهرجان واتهمته بـ”تغطية الانتهاكات”: “بينما كان قطاع الترفيه الناشئ يحظى بالثناء على الصعيد الدولي، كانت السلطات السعودية تنفذ موجات من الاعتقالات التعسفية بحق المعارضين والنشطاء والمثقفين وأفراد العائلة المالكة”.

وقالت جوي شيا، باحثة السعودية في هيومن رايتس ووتش: “على الكوميديين الذين يقدمون عروضهم في الرياض أن ينتقدوا انتهاكات السعودية الجسيمة لحقوق الإنسان، وإلا فإنهم يخاطرون بتعزيز جهود الحكومة السعودية الممولة جيدًا لتلميع صورتها”، إلا أن ذلك كان ممنوعا في العقد الذي أبرمه الكوميديون/ات مع هيئة الترفيه السعودية، والذي تضمن حظر “أي مادة تُعتبر مهينة أو مُشوّهة أو تُسيء إلى سمعة المملكة العربية السعودية أو تُثير الاحتقار أو الفضيحة أو الإحراج أو السخرية علنًا” كما مُنعت أي نكات عن العائلة المالكة السعودية أو أي دين، حسب ما نشرت إحدى الكوميديات التي رفضت المشاركة في المهرجان.

“أن يظهر بعض أفراد مجتمع الميم عين في وسائل التواصل الاجتماعي أو في العلن هو ليس دليل على تطور الوضع بالنسبة لهم/ن في السعودية، ليس هناك قانون يحميهم/ن، وما زالت القوانين مجحفة بحقهم/ن، أنا شخصيا أؤيد الكثير من التغيرات التي حدثت في المملكة، ولكن هناك استغلال لهذه التغييرات لممارسات غير أخلاقية، وفيما يتعلق بمجتمع الميم عين فليس هناك أي تغيير إيجابي، والسلطة سيطرت على النشطاء بشكل عام”، هذا ما قاله الناشط السعودي ألڤن القطيفي الذي يعيش في المنفى.

القانون
في السعودية، “تُعالج الأفعال التي تُعتبر شذوذًا جنسيًا (مثل الممارسات المثلية) بصرامة شديدة، استنادًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية التي تُعتبر المصدر الرئيسي للتشريعات في البلاد. تُعتبر هذه الأفعال انتهاكًا للأخلاق الإسلامية وتقاليد المجتمع المحافظ، وتُفرض عقوبة الشذوذ في السعودية على مرتكبيها وفقًا للقوانين الشرعية والأنظمة المعمول بها”، حسب المحامي عبدالله المهلكي.

ويوضح المهلكي أن السعودية تُطبق عقوبة “الشذوذ” على الأفعال المثبتة شرعًا، مثل اللواط والسحاق، وذلك بعد استيفاء الشروط اللازمة لإقامة الحد، مثل الاعتراف الصريح أو شهادة أربعة شهود عدول، والعقوبات تتحدد بناءً على أحكام الشريعة الإسلامية (الحدود أو التعزير)، كالسجن، الجلد، غرامات مالية والترحيل (للوافدين)، بالإضافة لعقوبات حدّية التي يمكن أن تصل إلى الإعدام في الحالات الجسيمة.

كما يشير المحامي المهلكي على موقعه الالكتروني أن القضايا قد تتعلق بحالات الترويج للشذوذ عبر الإنترنت، التجمعات غير المشروعة، جرائم الابتزاز المرتبطة بالشذوذ، قضايا الشذوذ في بيئات العمل، محاولات إقامة علاقات غير شرعية عبر التطبيقات، كما إن هناك نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية: “يعاقب هذا النظام على استخدام التكنولوجيا لنشر محتوى غير أخلاقي أو التحريض على ممارسات محظورة بالسجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى غرامة قد تصل إلى ثلاثة ملايين ريال سعودي”.

إلا أن الملاحقات القانونية والتشديد باستخدام الأحكام الإسلامية قد قلّ بشكل كبير بعد تقليص سلطات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية في 2016، والتي كانت لعقود، بمثابة شرطة دينية، بنفوذ وهيبة كبيرة في الشارع السعودي حيث كان عناصرها يراقبون عن كثب تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية (الوهابية) في المملكة المحافظة. 

ومن بين القضايا التي وثقتها مؤسسة الكرامة الإنسانية خلال السنوات الأخيرة كانت، في أغسطس/آب 2023 إلقاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القبض على شاب يُنظر إليه على أنه مثلي الجنس بتهمة “تعريض نفسه للفحش على تويتر”.

أما في أكتوبر/تشرين الأول 2022 أُطلق سراح سهيل الجميل، من السجن بعد احتجازه لمدة ثلاث سنوات بتهمة الإخلال بالآداب العامة لنشره صورة لنفسه على تويتر عاري الصدر ومرتديًا شورت سباحة.

أما أبريل/نيسان 2020 فقد شهد إلقاء القبض على مدون يمني مقيم في المملكة لمناصرته المساواة لمجتمع الميم. في يوليو/تموز، حُكم عليه بالسجن عشرة أشهر وغرامة مالية، يليها الترحيل، بموجب قوانين “الفحش العلني”. وأثناء احتجازه، تعرض للحبس الانفرادي والضرب والتعذيب.

كيف كان الوضع؟
في يونيو/ حزيران 2022 شنت السعودية حملة ضد مجتمع الميم عين، بدأتها بمصادرة أي منتجات في الأسواق تحمل ألوان علم قوس قزح، وذلك بحجة “أن هذه الألوان تبعث بـ”رسائل مسمومة” للأطفال و”تغرس المثلية الجنسية في العقل الباطن للطفل”. 

ومن ضمن ما صادرته السلطات في ذلك الوقت ألعابا وملابس وقبعات وحافظات أقلام جميعها مخصصة للأطفال بألوان قوس قزح، في إطار حملة ضد ما ينافي العقيدة الإسلامية والآداب العامة وترويج الألوان المثلية وتستهدف الأجيال الناشئة”.

وفي نيسان/أبريل من العام ذاته منعت السعودية عرض فيلم “دكتور سترينج في الأكوان المتعددة للجنون1 من شركة ديزني في دور السينما لاحتوائه على “إشارة إلى مجتمع المثليين”، حسب ما أعلنت.

وكانت السعودية قد تحفظت في ديسمبر/ كانون الأول 2021 على مسودة قرار عن الديمقراطية، طرحت آنذاك على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتتضمن إقرار التزامات فيما يتعلق بـ”الميول الجنسية والهوية الجنسية”، وفق بيان تلاه مندوبها الدائم عبد الله المعلمي، وأوضح أنه تم التفاوض على مسودة نص القرار وإلغاء الإشارات للهوية والميول الجنسية التي لم يتفق عليه في قرارات سابقة. 

وفي الشهر ذاته قال مفتي السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء، عبد العزيز آل الشيخ، إن “الشذوذ الجنسي” من أبشع الجرائم وأقبحها، فقد ابتلي العالم بأسره في هذا الزمن بجرأة ماجنة، ودعاوى باطلة، وشعارات فاسدة، وانحراف مقيت، يراد منه تجريد الإنسان من إنسانيته، ومن أرقى خصائصه التي أكرمه الله تعالى بها، وفضّله بها على كثير ممن خلق تفضيلا”.

مؤكدا “موقف السعودية الثابت تجاه تحفظها على نص قرار الأمم المتحدة بسبب مصطلحات الهوية والميول الجنسية غير المتفق عليها وتعارضها مع هويتها العربية والإسلامية التاريخية”.

كيف أصبح
بدأ الخطاب يتغير منذ 2023 استعدادا لفوز المملكة العربية السعودية باستضافة كأس العالم لكرة القدم للعام 2034 فقد حدّثت الهيئة السعودية للسياحة موقعها الإلكتروني لتضيف سؤالا وجوابا ضمن الأسئلة الأكثر تكرارا يقول: هل يُرحب بزيارة المثليين للمملكة العربية السعودية؟ والجواب هو ترحب المملكة العربية السعودية بجميع الزوار ولا تطلب الإفصاح عن خصوصياتهم. كما يتوجب على جميع الزوار احترام العادات والتقاليد والالتزام بتطبيق الأنظمة والقوانين.

ولا يُعرف التاريخ الذي حُدثت فيه معلومات الموقع الإلكتروني بالتحديد، إلا أن النسخة المؤرشفة من الموقع في 14 مارس/ آذار 2023، وقبل هذا التاريخ، لم تضم السؤال والإجابة على ذات الصفحة حسب سي أن أن العربية.

وفي هذا الإطار قال رئيس وحدة ملف ترشح السعودية لاستضافة كأس العالم 2034، حماد البلوي، قال البلوي: “لقد شهدنا تطوراتٍ كثيرة، في حديثكم عن مجتمع الميم عين، فقد استقبلنا 27 مليون سائح العام الماضي (2023)، واستضفنا أكثر من 100 فعالية رياضية دولية حضرها ثلاثة ملايين مشجع رياضي، دخل هؤلاء المشجعون البلاد، واحترمنا خصوصيتهم، واستمتعوا بوقتهم، وها هم يزوروننا مرة أخرى، ستحظون بالاحترام هنا، وستُستقبلون بحفاوة بالغة”.

وهو ما أكده أيضا السفير السعودي لدى بريطانيا الأمير خالد بن بندر: “نحن نرحب بالجميع إنه حدث عالمي وليس سعوديا فقط وسنرحب بكل من يريد الحضور”.

وهو ما علق عليه ناشط خليجي يعيش في المنفى وفضل عدم ذكر اسمه: “هناك تواجد لأفراد مجتمع الميم عين في السعودية، طالما أنهم/ن لا يتجاوزون حدود المقبول في المجتمع من حيث الملابس والتعبيرات، كذلك عدم التعبير عن الهوية الجندرية أو الميول الجنسية بشكل ظاهر، فليس هناك قبول لكل ما هو مرتبط بالخارج، كأعلام الفخر أو غيرها، فهو يبعث على الإحساس بأن هناك أجندة خارجية”.

التركيز على السياحة
أكد عابر جندريا خليجي يعيش في المنفى وفضل عدم ذكر اسمه: “تركز السعودية اليوم على الاستثمارات والسياحة، ولذلك هي تفتح أبوابها للجميع وتدرب موظفيها على التقبل والانفتاح، بينما القوانين التي تجرم المثلية الجنسية والتي تصل حتى الإعدام،أدوات في يد الحكومة، تستخدمها متى أرادت، ولكنها اليوم لا تقوم بذلك من أجل سمعة البلد التي تروج لها كوجهة سياحية ترفيهية، وهو توجه جديد للبلد”.

وكان وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، قد أعلن إن القطاع السياحي حقق تقدماً كبيراً، حيث ارتفعت مساهمته في الاقتصاد إلى 5% العام 2023 مع استهداف الوصول إلى 20% كما تم تجاوز عدد السياح المستهدفين في «رؤية 2023» البالغ 100 مليون إلى 109 ملايين سائح بنهاية الفترة ذاتها.

كما تستهدف المملكة زيادة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي عبر استثمار حوالي 500 مليار دولار خلال 15 عاماً.

وأشار الناشط إلى أن الوضع في السعودية خلال العامين الماضيين أفضل من السابق، حيث لا يستطيع مجتمع الميم عين التعبير عن نفسه في الفضاء العام، ولكن لديهم/ن أماكنهم/ن الخاصة المعروفة لمجتمع الميم عين، إلا أن تقبل الأشخاص العابرين/ات لا يزال صعبا في الخليج أكثر من المثلية الجنسية، حسب تعبيره.

وذكر بأنه تم تسجيل عودة عدد من الحالات لمجتمع الميم عين الذين/اللواتي كانوا/كن يعيشون في خارج السعودية دون أن يتم التعرض لهم/ن، وأدرك: “ولكن ذلك لا يعني أنه لن تتم مضايقتهم/ن في المستقبل وليس هناك ضمانات بأمانهم/ن لوجود القوانين التي لا يتم تنفيذها حاليا”.

فيما يرى القطيفي أن وضع مجتمع الميم عين حاليا قد يكون اسوأ من ذي قبل، “كنا نرى في السابق بعض المطالبات حتى ولو كانت خجولة أو خائفة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الوضع اليوم وبالذات بعد العام 2021، واعتقال عدد من النشطاء والناشطات منهم/ن معتقلي/ات نحل مما أدى إلى تكميم أفواه لم يسبق له مثيل في الداخل السعودي تواجه بكمية ومستوى عال من القمع وبالذات الأصوات التقاطعية وأصوات مجتمع الميم عين”.

وأضاف: “قد يبدو الوضع من الخارج أو حتى لمن يعيشون في الداخل في فقاعة، جميل وحريات وترفيه ولكن كل ذلك موجه للخارج فقط، لجذب السياح وخصوصا السياح البيض”. 

ووصف القطيفي وضع مجتمع الميم عين حاليا في داخل المملكة “هو شبيه بما نسميه بـ”طقم الفناجين” للحكومة التي تستخدم مجموعة من البشر كطقم الفناجين للضيوف في كل محفل، ولكنهم/ن يختفون/ين بعد ذلك ويتم الاستغناء عنهم/ن، وقد قامت السلطة في السعودية بذلك مع السيدات ولا زالت تقوم”.

وقال: “للأسف كل ذلك بروباغندا وفيه تشابه مع تعامل السلطة مع النساء والحركة النسوية، حيث يتم اعتقال نساء لعدم ارتدائهن الحجاب امتثالا للقانون فيما تظهر السلطة تعيين سيدات سافرات في مناصب إدارية، كما تم إتباع الأسلوب ذاته مع الأقلية الشيعية”. 

وأضاف: “هناك أشخاص من مجتمع الميم عين يتم استخدامهم/ن نفس الاستخدام على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن عند الانتهاء من المهمة، وهي تبييض صورة المملكة، يتم اعتقالهم/ن ومن ثم ترحيلهم/ن إذا كانوا أجانب أو يغادرون البلد ليعيشوا في المنفى إذا كانوا/كن سعوديين/ات”.

وأشار القطيفي أن الكثيرين/ات من مجتمع الميم عين في السجون والأشخاص العابرون والعابرات في مصحات ودور رعاية، وأن هناك تجمعات خجولة بالسر بين أفراد من مجتمع الميم عين.

واختتم القطيفي حديثه لـ”ماي كالي”: “لا أريد أن أكون متشائما. إن انتعاش الترفيه والحفلات في السعودية قد أعطى البعض فرصة للتعرف على أجواء جديدة، كما يزج بعديد من الأشخاص في قضايا ظلما”.

  1. Doctor Strange in the Multiverse of Madness