بقلم: بابيروس
ترجمة: هبة مصطفى
الصورة المميزة: غروندال ميا، 2011. ميدان التحرير: قلب الثورة المصرية. منشورات الجامعة الأميركية بالقاهرة
هذا المقال من عدد سنة ورا سنة
لم يتردد الناشطون والناشطات الشباب في مصر، الذين/اللاتي لا تفصلهم/ن سوى بضعة كيلومترات فحسب عن الإبادة الجماعية التي يرتكبها الصهاينة في غزة بفاصل حدودي، في النزول إلى الشوارع في أكتوبر/تشرين الأول 2023 والأسابيع التي تلته، وفي خضم هذا النضال من أجل التعبئة والتنظيم والمقاومة، واجه الجيل الذي ولد في الفترة بين عامي 1997 و2003 حقيقة ما آلت إليه الأمور في ميدان التحرير.
“دلوقتي دوركم… زي ما جيلنا أخد فرصته انتو كمان لازم تتعلموا”
في الأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجد الشباب المصري الراغب في التحرك تضامنا مع فلسطين قيمة كبيرة في اللجوء إلى شبكة الناشطين/ات التي ولدت وولدتها ثورة 25 يناير 2011 طلبا للنصح وبحثا عن الحلول الإبداعية: “شباب يناير”. أردنا أن نسأل: في السياق الاستبدادي المعاصر، كيف نخلق مساحات للمقاومة؟
في إحدى هذه المحادثات1، وبعد تراجع كبير لقوات الأمن، رد أحد “شباب يناير” بالاقتباس المذكور أعلاه على سؤال طرحه جيل الشباب الأصغر سنا، وفي حيرة ودهشة، أدركت فجأة أن الاعتماد على جيل “شباب يناير” لا يكفي لمعالجة سياق العصر ومتطلباته، أننا نحن الشباب الآن، ومع ذلك، دار في بالي وابل من الأسئلة.
أعلم أن تجاربنا مع الثورة المصرية ليست واحدة؛ فبينما كانوا/كن في الشوارع، وفي الميادين، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كنا أطفالا نفهم العالم برؤية الثورة تتكشف أمامنا من منظور ثوري. تغير السياق جذريا وتحول ميدان التحرير، ساحة المقاومة المصرية، إلى ساحة للدولة لفرض سيطرتها وتطبيع سردياتها المهيمنة، ومن رمز للشعب والتغيير إلى رمز للإسكات والاختفاء القسري، ومن أمل قوي بالغد إلى خيبة أمل عميقة بالحاضر، وشهد “التحرير” شوارع القاهرة وهي تنتزع أكثر فأكثر من الشعب وتشوهها الدولة أكثر فأكثر.
سأستكشف في هذه المقالة معنى “التحرير” عبر الأجيال، ومن المسؤول عن المطالبة به، وفيها أستخدم كلمة “التحرير” بصيغة ثنائية، من جهة للإشارة إلى لحظة اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 في ميدان التحرير في العاصمة المصرية القاهرة ، ومن جهة أخرى، لا أعني المعنى الحرفي لكلمة التحرير.
ما المقصود بكلمة «الجيل» في سياق الثورة؟
الاعتماد على فئات فضفاضة التعريف، وعابرة للحدود الوطنية، مثل “جيل الألفية” و”جيل زد”، لا يكفي لوصف الشباب المصري كما هو موجود هنا والآن، بل إن مصطلح “الشباب” نفسه يشكل مفهوما مثيرا للجدل ويتطلب تحليلا أعمق.
في حين أن الأجيال ترتبط ببعضها البعض بالعمر، فمن الأجدى النظر إلى الأفكار والمعارف التي يتشاركها أفراد الجيل، بدلا من اختزالهم في سنوات الميلاد، وترتبط المعرفة دائما بموقعها الاجتماعي التاريخي والوجودي2، ويرتبط الموقع الاجتماعي للفرد بموقع طبقي غير ملموس، وبعبارة أخرى، يرتبط الوعي 3المميز لجيل ما، أو شخصيته المميزة، ارتباطا وثيقا بحدث أو أحداث تاريخية تشكله.
:أعتمد على ما سبق لتصور تعريف الجيل على النحو التالي
مجموعة من الأشخاص ذوي الأعمار المتشابهة تتميز بموقع اجتماعي وسياسي مشترك، وفي حين أن “وتيرة التغيير“4 بالنسبة لأفراد الجيل الواحد متنوعة، فإنها غالبا ما تتميز بتفاعلهم/ن مع الأحداث الاجتماعية والسياسية والتاريخية ذاتها.
وهكذا، في حين أن أفراد جيل معين يتشكلون بالتأكيد بالأحداث التاريخية المختلفة، فإنهم يشكلونها أيضا من خلال عملية التفاعل معها؛ فهم/ن يؤثرون عليها ماديا من خلال أفعالهم أو البصمة التي يتركونها عليها، كما أنهم يؤثرون عليها رمزيا من خلال السرديات الخالدة التي يتناقلونها عنها، ويصبح ذلك علاقة جدلية بين التأثير والتأثر، ويمكننا إذن أن نفهم جيل “شباب يناير” على أنه تشكل من خلال اللحظة الثورية وشكلها من خلال كتاباته المستمرة للسرديات التاريخية والتعليقات الحالية.
في السياق الثوري، أصبح ميدان التحرير في يناير 2011 الحدث التاريخي التكويني؛ فمن جهة، هناك جيل صنع اللحظة، “شباب يناير”، ومن جهة أخرى، هناك جيل يرى العالم من خلال هذه اللحظة، الذي سأطلق عليه اسم “أولاد يناير”، وبالطبع، ليس المقصود من هذا وضع الجيلين على طرفي نقيض من الطيف السياسي، بل باعتبارهما مشاركين في عملية تغيير، حيث يجد “أولاد يناير”، الذين اعتمدوا في البداية على “شباب يناير” لتحقيق إمكاناتهم بصفتهم/ن فاعلين/ات اجتماعيين/ات وسياسيين/ات، يجدون أنفسهم/ن في إيقاع تغيير معاصر5، ويحاولون فهم معنى المناداة بالتحرير في مصر ما بعد الثورة.
عن المحو الذي تقوم به الدولة
“عمو هو يوم 25 يناير دا اجازه من المدرسة ليه؟”
بينما يناور جيلي الحملة العنيفة التي تشنها الدولة لإيجاد مساحات يمكن أن يحلم فيها بالتحرر، أخشى أن تفقد الأجيال الأصغر سنا جوهر المعنى؛ فهذه الأجيال بالفعل ليس لديها ذكرى عن الثورة، وليس لديها ذكرى عن قوة العمل الجماعي، وليس لديها ذكرى عن حياة خارج قبضة الدولة الخانقة، والتحرر، في ظل الاضطرار إلى التعود على العيش في مجتمع مصري مقسم إلى طبقات، يشكل تفتيته المؤسسي الوقود الذي يدعم سلطة الدولة، مفهوم بعيد المنال، ومن عام لآخر، أصبح هذا المفهوم منفصلا عن نسيج المجتمع.
أصغر من “شباب يناير” و”أولاد يناير” الآن الأطفال والمراهقون/ات، الذين لا يمكن ربط تعريف جيلهم/ن باللحظة الثورية، ورغم براءة السؤال في الاقتباس المذكور أعلاه، فإنه يحمل في طياته الواقع المؤلم المتمثل في نجاح الدولة الحالية في محو لحظة يناير من العالم المادي؛ فالدولة المصرية تبني بعناية واقعا يعني فيه الخامس والعشرين من يناير يوم الشرطة فقط6، ولا يحمل أي ذكرى لثورة، في محاولة تهدف إلى “إعادة صياغة وإعادة تفسير للرموز الوطنية أو الأحداث الرئيسية”.7

جدارية في شارع محمد محمود، المتفرّع من ميدان التحرير، في القاهرة، مصر. تصوير المؤلّفة عام 2021.
تمارس الدولة احتكارها للاستخدام المشروع للقوة إلى أقصى حد ممكن، فتسيطر على الموارد المادية، وتصيغ إجراءات الإنفاذ والعقاب، وتتلاعب بالعالم الرمزي8، ويحدث بطرق عدة:
قمع التنظيم السياسي، أو التنظيم السياسي المحتمل، خاصة منذ عام 2016، مع تطبيق إجراءات أكثر صرامة بدءا من عام 2019؛
إستراتيجيات القمع الاستباقية، حيث يتم تنفيذ قوانين مثل قانون المنظمات غير الحكومية وقانون التظاهر وقوانين الإرهاب بشكل غامض وتهدف إلى تقييد المجتمع المدني؛
استقطاب الشباب والمجتمع المدني من خلال المجموعات والمنصات المعتمدة من الدولة، مثل مجموعة «طلاب من أجل مصر» الطلابية؛
المراقبة على الإنترنت من خلال تتبع وسائل التواصل الاجتماعي وتقييد بعض المواقع الإلكترونية؛
هـ) سيطرة الدولة على وسائل الإعلام، والمبالغة في الإعلان عن قوة الشرطة ونجاحات الدولة؛
تبييض ومحو فنون الشوارع والكتابة على الجدران (الغرافيتي)؛
إعادة البناء المادي للمدينة باستبدال المساحة المفتوحة لميدان التحرير بنصب تذكاري ضخم مغلق شديد الحراسة.
والسبب بسيط؛ فالدولة المصرية الحالية لن تسمح بتكرار ما حدث في 25 يناير في ميدان التحرير، وبالتالي لا بد من جعل جميع الأجيال تؤمن بأن هذا التنظيم غير ممكن.
ما وراء الأنطولوجيا: نحو إنتاج المعرفة بين الأجيال
تصبح ضرورة إنتاج المعرفة بين الأجيال ملحة بشكل خاص في سياق استعادة سردية الثورة المصرية التي تركز على الشعب، ومع عمل الدولة بقوة على محو الذاكرة الجماعية لعام 2011 أو إعادة كتابتها من خلال “تحديد المعنى وتفسيره والاستيلاء عليه”9، فإن هناك حاجة ماسة للحفاظ على تجارب الثورة ونضالاتها وتطلعاتها وإعادة بناءها كما عاشها الناس، وكما لا يزال إرثها حيا.
وفي مصر الخاضعة لسيطرة الأمن، والتي تحبذ أن يكون مواطنوها مستهلكين صامتين بدلا من كونهم/ن فاعلين/ات مهمين/ات لديهم/ن القدرة على التصرف، فإن عملية إنتاج المعرفة ذاتها تصبح ضرورية، وفي مواجهة التقسيم الطبقي المفرط والهيمنة على المشاركة السياسية10، يصبح إيجاد مساحة يمكن فيها تسخير ذكرى 25 يناير/كانون الثاني هو معنى التحرر11، التحرر من دولة أمنية عسكرية من أجل بلد للناس والشعب، والتحرر من حكومة صامتة في مواجهة الإبادة الجماعية الصهيونية إلى حكومة تحمي الدولة الفلسطينية، وعلى المنوال ذاته، فإن بناء حوار بين الأجيال يخلد الألم والوعد الذي قطعناه في يناير 2025 والتعهد بإبقائه حيا في المستقبل قبل الحاضر، وهو تعهد بالنجاة من خلال الأجيال الأصغر سنا حتى لا يجهل أحد منهم في الأعوام المقبلة السبب الذي يجعل يوم 25 يناير عطلة مدرسية.

سلالم نقابة الصحفيين في القاهرة، مصر. تصوير المؤلّفة في أكتوبر 2023
في حين أن شهر يناير 2011 شهد ميلاد الوعي الجيلي لجيل “شباب يناير”، فربما تشكل هذه اللحظة المعاصرة الوعي الجيلي لجيلنا، جيل “أولاد يناير”.
التعلم و(إعادة) التعلم و(إعادة) بناء معاني التحرر بين أجيال “شباب يناير” و”أولاد يناير” يصبح في حد ذاته فعلا من أفعال المقاومة والتحرر، ويتيح لنا الحوار بين الأجيال إعادة التفكير —وفي نهاية المطاف إعادة بناء— فهم أكثر شمولا وديناميكية للتحرر، وهو فهم غير معتمد على لحظة واحدة أو نتيجة واحدة ولكن يتم إعادة تصوره باستمرار من خلال الذاكرة الجماعية والمقاومة والطموح، ويوفر إنتاج المعرفة بين الأجيال إطارا حاسما لمقاومة المحو التاريخي وتطوير رؤية أكثر تعقيدا وتعددية للتحرر.
التحرير، الآن؟
من نواح عديدة، يعيش كلا الجيلين لإحياء ذكرى القوة والألم المرتبطين بميدان التحرير؛ فقد رأى جيل “شباب يناير” أن التحرير هو التحول نحو الديمقراطية والابتعاد عن الدولة البوليسية، ويردد جيل “أولاد يناير” هذا الأمل، في محاولة لإنتاج القوة من خلال التعاون مع “شباب يناير” في سرد الثورة وتداعياتها، وفي ظل الدولة العسكرية ذات الطابع الأمني الشديد التي نعيش فيها اليوم، يرى “أولاد يناير” أن التحرير يعني إعادة لحظة التحرير وتحدي القبضة الصارمة للجيش على المجتمع المدني.
ويرى “أولاد يناير” لا يزال سؤال إعادة إشعال لحظة التحرير حاضرا بقوة، وكانت هناك محاولات للإجابة عن هذا السؤال عبر الإنترنت وفي المنتديات العامة والخاصة، لكن لا يزال من الصعب العثور على موقع جديد للتحرر وسط القمع العشوائي الذي تمارسه الدولة، وللحظة، بدا الأمر كما لو أن درج نقابة الصحفيين، في قلب وسط القاهرة وعلى بعد حوالي 1.5 كيلومتر من ميدان التحرير، هو موقع التحرير المعاصر، المكان الذي يمكننا أن نبدأ فيه باحتلال مساحة ما، وعندما ساد الصمت في كل مكان آخر في مصر، صدح صوت الدرج بمطالبات وقف إطلاق النار وهتافات قطع العلاقات مع الدولة الصهيونية، لكن لسوء الحظ، لم يتمكن جميع من وقفوا عليه من العودة إلى منازلهم.
التحرير فكرة باقية… موجودة دائما، ولكنها بعيدة المنال.
تحرير القاهرة يعني تحرير فلسطين وتحرير إمبراطورية استعمارية، لكن تحرير مصر حلم خافت، والدولة العسكرية ليست سوى أداة في يد سيد الرأسمالية العالمية، ولن تفكك الدولة أبدًا منزل السيد، بل ستبني كاميرات أمنية تعمل على حمايته وعزله بشكل أكبر.
والحرية لفلسطين، دائما وأبدا.

احتجاجات في الجامعة الأميركية بالقاهرة، مصر. تصوير المؤلّفة في أكتوبر 2023
- أرى أنه من المهم أن أذكر أنه على الرغم من أنني لم أكن الشخص المعني بشكل مباشر بهذه المحادثة، فقد شاركها معي أحدهم كجزء من مجموعة تهدف إلى مناقشة المساحات الممكنة للمقاومة والحشد في المناخ المصري المعاصر.
- Jane Pilcher, “Mannheim’s sociology of generations: an undervalued legacy,” British Journal of sociology (1994): 481-495
- Aparna Joshi, John C. Dencker, and Gentz Franz, “Generations in organizations,” Research in Organizational Behavior 31 (2011): 177-205
- Karl Mannheim. Essays on the Sociology of Knowledge. First published 1923. Edited by Paul Kecskemeti. London: Routledge and Kegan Paul, 1952
- Pilcher, “Mannheim’s sociology of generations”
- كان يتم الاحتفال بيوم 25 يناير باعتباره «يوم الشرطة» في مصر على مدار الاثنين وسبعين عاما الماضية، مما أدى إلى اختيار هذا اليوم للحظة الثورية لعام 2011.
- Laurie A. Brand and Joshua Stacher, “Why two islands may be more important to Egyptian regime stability than billions in Gulf aid.” In From Mobilisation to Counter-Revolution (POMEPS, 2016): 37-39
- Lisa Wedeen, Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric, and Symbols in Contemporary Syria, (University of Chicago Press, 1999)
- المرجع ذاته.
- Nadine Sika, Youth Activism and Contentious Politics in Egypt: Dynamics of Continuity and Change, (Cambridge University Press, 2017)
- Jannis Julien Grimm, “Contesting Legitimacy: Protest and the Politics of Signification in Post-Revolutionary Egypt.” PhD diss., 2020
