بقلم: أحمد حلوم، محلل نفسي كوير مقيم في باريس
العمل الفني: عود نصر
هذا المقال من عدد سنة ورا سنة
الحدود لا تقسم الأرض فحسب، بل تمزق النفوس أيضا. يتسرب العنف إلى حياة الكوير بهدوء وقسوة: الخوف الذي يسكن أعماقنا، العار لا ينتمي إلينا أبدا ولكنه يلتصق بنا على أي حال، والذات المشتتة عبر الزمان والمكان، التي تُحاول دائما العودة لكنها لا تصل أبدا، ومع هذا، تختار المقاومة. تختبئ في التضامن الهادئ، وفي الدعم المتبادل، وفي دوائر العلاج السرية، وفي الحداد الجماعي الذي يشبه الغضب والصلاة. هناك بعض السذاجة في هذه الرغبة العنيدة للمقاومة والبقاء في مجتمع يلفظك دوما،
لم تكن السرديات يوما مرتبة ومنظمة، والأمر لا يتعلق بنمو ما بعد الصدمة؛ فالتعافي ليس قائمة مهام يجب أن تؤديها، بل هو شهادة تمرد للبقاء مع الشظايا، مع صرخات الجسد، مع الذات الممزقة، لفترة كافية لتتحول الأعراض إلى دلالات، والصمت إلى كلام، والرعب إلى شهادة.
في العيادة، أشهد كيف يصور الجسد الذاكرة بطرق غالبا ما تعجز عنها الكلمات. أرى ذلك وأسمعه كل يوم: أياد ترتجف في سكون، وليال يأبى فيها النوم أن يأتي، وصمت يمتد أكثر مما تستطيع الساعة استيعابه. هذه ليست أعراضا يجب محوها، بل لغة نجاة، ومفردات للألم والإصرار.
تتخذ الحدود أشكالا متعددة. بعضها مادي، من نقاط التفتيش إلى الجدران إلى المنفى،1 وبعضها اجتماعي، بين الظهور والاختفاء، والسلامة العامة والمخاطر الشخصية، والانتماء العائلي والرفض. هناك أيضا حدود نفسية، تلك العتبات الهشة التي تتكسر فيها الذاكرة والهوية تحت الضغط.2 وهكذا، تنتج هذه الحدود الصمت والغضب، والنجاة بأشكالها المتفاوتة: الصمت عندما يعني الكلام التعرض للخطر، والغضب عندما يصبح المحو غير محتمل، والنجاة المتمثلة في فعل التحول من جانب لآخر. لا تحيط هذه الحدود بحياة الكوير فحسب، بل تخترقها، لتنقش الذاكرة في الجسد وتحيل الوجود اليومي إلى تفاوض مع السلطة.
أعراض الحدود
يشعر أحد المرضى، سأشير إليه بالحرف الأول من اسمه «ألف» -وهو شخص غير ثنائي الهوية الجندرية (هم/هن) من الضفة الغربية المحتلة- بالذعر كلما عبر نقطة تفتيش، ليس خوفا من العنف فحسب، بل رعبا من تحطيم هويته. أعراضه هي الحدود نفسها، ليس فقط باعتبارها قيدا خارجيا، بل كانهيار داخلي أيضا.3
هاجمني «ألف»، وهو يبكي حزنا، ذات مرة قائلا: «لماذا لست غاضبا؟ أنت هادئ للغاية» تدفق غضبه الهائل والشخصي والهادر إلى الغرفة. انحنيت وهمست قائلا: «أنا غاضب». غيرت تلك اللحظة كل شيء. لم يعد الأمر مجرد حزن، بل أصبح تحالفا من الغضب. لم يكن هذا علاجا تقليديا، بل كان لقاءا ثوريا كسر الحدود، حيث يتعايش الصمت والغضب كنوع من النجاة.
ثقل الذاكرة
في الغرفة، لا يكون الصمت خاليا وخفيفا أبدا؛ فهو مشحون وثقيل ويكاد يكون حيا. يحمل المرضى في إيماءاتهم ما لا يمكنهم البوح به بعد. بعض القصص تحكى بصوت عال وغاضب، وأخرى بالكاد تتجاوز الهمس. الذاكرة أيضا لها ثقلها -ليس كتسلسل زمني مرتب، بل كأجزاء وذكريات وأحاسيس تعود فجأة ودون دعوة، تتشبث بالجسد في شكل أياد مرتعشة وفي رفض النوم وفي كلمات لم تقل. يبقى معي الصمت والغضب والذاكرة، وأصداء العنف الذي شكل كل هذه الأشياء.
تتخذ شظايا الصمت والغضب والذاكرة هذه أشكالا مختلفة في حياة من أجلس معهم في عيادتي. كل مريض/ة يحمل معه/ا حدوده/ا المحفورة بصورة مختلفة في الجسد والنفسية.
راء
نجا «راء» (هم/هن)، في العشرينيات من عمره، مما لم ينج منه كثيرون، لكن النجاة تحمل في طياتها عذابها. لا تزال عائلتهم في غزة تعيش تحت قصف مستمر ومجاعة مدبرة وإبادة جماعية. كل مكالمة هاتفية، وكل رسالة، تحمل في طياتها احتمال خسارة لا تطاق.
يتحدث كثيرا عن شعوره بالذنب بسبب نجاته، لكن شعورها بالذنب هذا متعدد الطبقات، ليس فقط لنجاته، بل أيضا لأنه تمكن من النجاة رغم هويته الكويرية. همست لي قائلة: «أحيانا أتساءل، لماذا يمكنني التنفس هنا بينما هم/ن لا يستطيعون».
كل حديث عن الوطن مشحون بالخوف والحنين. في الجلسة، نجلس عاجزين عن الإمساك بكلتا الحقيقتين: الحاجة إلى العيش وثقله الذي لا يطاق حين يعجز عنه الآخرون. لـ «راء»، النجاة ليست راحة، بل هم يسكنها وشرخ وحياة منقسمة بين عالمين. في هذه الحالة، الحدود هي الجسد نفسه، يحمل ثقل عقدة الناجي، حيث يصير حتى الحداد الخاص مستحيلا لأن الكارثة العامة لا تنتهي أبدا.
ميم
قضت «ميم»، صاحبة الحس المرهف والرزانة، سنوات في القاهرة حيث كانت حتى أبسط الأشياء، عشاء جماعي، أو أمسية هادئة مع الأصدقاء، أو نزهة في شوارع مألوفة، تحمل في طياتها شبح المخاطرة؛ فغالبا ما تستهدف الشرطة الكوير عبر الأماكن العامة أو وسائل الرقمية، حيث تستخدم السلطات تطبيقات المواعدة المزودة بخاصية تحديد الموقع للإيقاع بالمستخدمين/ات وحيث تُفتش الهواتف وتُستخدم المحادثات والصور في الملاحقات القضائية.4
ومع ذلك، كانت هناك لحظات من النور؛ فقد كانت متاجر البضائع المستعملة ومساحات الفن البديل ملاذات مؤقتة، وأماكن يمكن فيها للكويرية الظهور لساعات عابرة دون خوف. قالت لي ذات مرة: «حتى السعادة بدت مؤقتة. وكأن كل شيء جميل قد خُلق ليزول».
كان هذا الزوال يلاحقها، محفورا في هيئة جسدها، وفي الطريقة التي تتفحص بها عيناها الغرفة قبل أن تجلس، وفي شعورها بأن الأمان مشروط دائما. لـ «ميم»، لم تكن الحدود مجرد مداهمات الشرطة أو التهديدات بالاعتقال، بل الطريقة التي جعلت بها الدولة العلاقة الحميمة مسألة عامة، حيث يمكن أن تكون القبلة دليلا ويمكن أن يكون الهاتف سلاحا موجها ضد صاحبه وفرض عليها أن تعيش انهيار الخط الفاصل بين الخاص والعام.

العمل الفني: عود نصر
ياء
قضى «ياء»، من تونس، سنوات على حافة الظهور. هناك، النضال عملية حسابية خطيرة في تحديد ما يجب إخفاءه بشكل مستمر. في الجلسة، يتحدث حديثا متقطعا متبوعا بالصمت. في هذه الحالة، يترك الإنتظار طعما مريرا في الفم ويصبح الضحك نجاة. يقول: «تضحك، لأنك إن لم تضحك، ستنسى كيف تفعل ذلك».
حسه الفكاهي ذكي وحاد ومرهق، أشبه بدرع شحذته السنين، يسكن خلفه جسد تعلم أن اليقظة هي الشكل الوحيد للأمان. ببطء، أسبوعا بعد أسبوع، يتعلم أن اليقظة ليست السبيل الوحيد للنجاة، وأن هناك مجالا للضعف، حتى الآن. لـ «ياء»، تمر الحدود عبر الظهور نفسه. التحدث بصوت عال جدا، وأن تكون مرئيا بوضوح، هو مخاطرة بالفناء، لكن الاختباء شكل آخر من أشكال الموت المؤقت، من محو الذات الذي ينخرك من الداخل. يقظته ليست مجرد وسيلة دفاع، بل هي عَرَض يشكله التهديد المستمر بالانكشاف والإنكار في آن واحد.
الحدود الداخلية
ما يجمعهم/ن ليس الصدمة فحسب، بل الطريقة التي رسم بها العالم الحدود في حياتهم/ن، حدودا بين الأمان والخطر، وبين الوطن والمنفى، وبين الظهور والمحو. قد يحقق الظهور الاعتراف، والانتماء إلى المجتمع، وحتى الأمان الزائل، ولكن في السياقات التي تُجرم فيها الكويرية، يؤدي أيضا إلى المراقبة أو المضايقة أو الاعتداء، أما المحو، من ناحية أخرى، فيعني النجاة بالصمت والاختفاء، ولكن الثمن هو العزلة وإنكار الذات. تتجلى هذه الديناميكيات أيضا في فضاءات المصطلحات العربية الكويرية؛ فعندما تستعاد بعض المصطلحات، تُحجب أخرى.
هذه الحدود ليست سياسية فحسب، بل نفسية أيضا، تسري في الأحلام، والعلاقات، وكل خيط هش من خيوط الهوية. في الغرفة، تتواجد في كل مكان، في الصمت الثقيل كحجر، أو في أياد لا تستطيع السكون، أو في نوبات كالبرق، قصيرة وحارقة ويستحيل تجاهلها.
التواجد معهم في جلسة لا يعني تقديم إجابات، بل يعني أن أكون شاهدا. يعني كبح جماح الغضب، حين يهب كالعاصفة، في ثبات. يعني الجلوس في صمت حين تعجز الكلمات عن التعبير. يعني رفض تحويل ألمهم إلى قصة مبسطة وسهلة الفهم لتسهيل الأمر على الآخرين.
الصمت. الغضب. النجاة
هذه ليست مجرد كلمات، بل هي نبض الوجود الكويري في منطقتنا اليوم، حياة تشكلها نقاط التفتيش، والخوف من المداهمات، والأسماء المهموسة والمتناقلة في شبكات سرية، والإصرار الهادئ على النجاة.
أن تكون شاهدا على هذه الحياة يعني أن تدرك أن النجاة ليست خطية أبدا؛ فهي تنطوي على نفسها، وتتعثر، وتدور في حلقات، ثم تعاود الظهور. إنها ليست شيئا بسيطا أو بطوليا. إنها هادئة، وصبورة، وعنيدة، وتسكن أجسادا تعلمت أن تكبت الرعب والرغبة في آن واحد.
في غرفة العلاج، تنطق هذه النجاة في الصمت الثقيل والمفعم بالحياة، أو في نوبات الغضب التي تطالب بالاعتراف بها، أو حتى في ارتعاش الأصوات التي ترفض أن تمحى. أن تكون شاهدا لا يعني الإصلاح، بل يعني البقاء ومقاومة الرغبة في التبسيط ومواصلة الإنصات بينما لا تتوقف النجاة في شكلها المتصدع والعنيد عن إيجاد لغة.
يمكن أن تصبح الكويرية ظاهرة بوضوح، ومفصحا عنها عن طريق فضائح عامة، بينما تتعرض للإنكار والمحو في الوقت نفسه في القانون، وبين العائلات، وفي الحياة اليومية.
يعاش الوجود الكويري هنا عبر الحدود في كل مكان؛ فهي لا توقف الأجساد عند نقاط التفتيش فحسب، بل تغزو غرف النوم، والصداقات، والصمت في غرف العلاج، يجرم القانون الحميمية نفسها وتطرد العائلات أبناءها وبناتها لأنهم/هن يعيشون بالطريقة التي يختارونها. تشكل المدن الجغرافيات الكويرية حيث يمكن أن تتحول حانة أو مقهى من ملاذ إلى فخ في مداهمة واحدة. لا تقسم الحدود المساحات فحسب؛ بل تُحفر في الجسد، وتزرع اليقظة في الجهاز العصبي، وتفتت الذاكرة، وتحدد متى يمكن التعبير عن الرغبة ومتى يجب ابتلاعها. أن تعيش بصفتك كويريا/ة هنا يعني أن يشكل الظهور تهديدا لك وأن تكون غير مرئي بصفتك مواطنا/ة في آن واحد –عنف مزدوج أو حتى وعي مزدوج محفور في الجسد.
- Achille Mbembe, Necropolitics, Public Culture, 2003
- Gloria Anzaldúa, Borderlands/La Frontera: The New Mestiza, Aunt Lute Books, 1987
- في التحليل النفسي، الأعراض ليست مجرد دلالة على المرض، بل هي تشكيل للعقل الباطن (اللاوعي) –حل وسط بين الرغبة والمنع، حيث يتجلى الصراع النفسي في الجسد أو السلوك أو الفكر (فرويد، 1900؛ لاكان، 1966).
- هيومن رايتس ووتش: «مصر: تعذيب وانتهاكات بحق «مجتمع الميم» على يَد قوات الأمن»، 2020.
