English

بقلم: نیلوفر رسولی
العمل الفني: تیرداد هاشمی وسوفیا عرفانیان

هذا المقال من عدد سنة ورا سنة

ملاحظة: بعد كل فقرة تترك لنا الكاتبة معاني لبعض الكلمات المستخدمة فيها، لتوضيح لنا مقاصدها.

كان عمري ست سنوات حينما كتبت قصة عن بئر ماء، خشک و خالی، جافة وفارغة. تدور القصة حول بئر ماء جافة وعائلة وجدت بقدرة قادر كوب ماء. تناقل أفراد العائلة العطشى الكوب، ولم يقدر أحدٌ على شربه. أكبر مخاوفهم كان العمق الخالي للبئر، إرث العائلة المادي الوحيد: الندرة. اتُّخذ القرار الأخير: إفراغ كوب الماء في البئر.

ربما هي بئر سحرية، تستقبل الماء فتغدق الماء. كانوا يائسين، أو ربما فضوليين. بدا الأمل منطقيًا، رغم أنه لم يحمل أي وعد. عندما أفرغوا الكوب في البئر، بخّرت الأرض الملتهبة الماء. لم يكن ذلك سحرا، بل إملاءات الفيزياء البسيطة فحسب. كانت بئر الماء فارغة، وبقيت فارغة. تنتهي القصة هنا. بقي الجميع عطشانًا، كما بقيت البئر: خشک و خالی

عنونت النص “قصة حزينة جدا” ولم أقرأها على مسامع أحد، ولم أكتب قصصا أخرى لوقت طويل. وبدل ذلك، ألقيت الشعر من البلكونة على الغيوم المبللة، التي اقتنعت في مرحلة ما أنها الله. بدت كلماتي كمسؤولية روحية، أن أجعلها تبكي وتملأ آبار المياه المحيطة، لكنها لم تمتلئ، حتى بلغت السابعة عشر من عمري.

الماء: ما يندهق ويجف
الماء: ما يتقدم عابرا
الماء: ما يضيع

عمري سبع عشرة سنة، والعام 2009، تتكشّف ملامح الحركة الخضراء في شوارع إيران. يعرّفني التلفاز الرسمي على كلمة جديدة: فتنة. أستحضر سماعها في سياق آخر:

Zanan fetne be pa mikonnand – “المرأة توقظ الفتنة”

مسبّة محفوظة للنساء الجريئات، للعبارة الآن هدف جديد: معارض سياسي. فتنة. التلفاز الوطني غير مموّل لعد الموتى والجرحى. يعدون الأصوات، يدبرون الأرقام دليلا ضد من يوقظ الفتنة. عندهم من الأرقام والرسوم البيانية والألوان الكثير. يمكن للحقيقة أن ترسم في رسم بياني دائري. تنتقل حبكتهم من مدينة لمدينة وقرية لقرية، تجمع المظلومين لتعلن رضاهم عن النتائج. يختمون القصة بإعلان نهايتها، بإطلاق الرصاص أو دهس الأجساد في الشوارع، أيهما نجح، لا يهم، على الفتنة أن تتبخر.

الماء: ما يتجمع ويختبئ ويؤرشف
بئر الماء: أرض عطشى وما يرجع إليها
بئر الماء: خزانة التاريخ تجمع الأشباح غير القادرة على الخروج ولا تحمل الاختباء.

كان عمري ست سنوات، ولم يكن في بيتنا في زانجان بئر ماء. يبدو أننا لم نحتجه. ومع ذلك، دائما ما كان هناك رغبة جماعية للالتفات إلى كوب الماء المصبوب على الأرض، متبخّرا، متلاشيا. فبعد كل شيء، الطبقية مسألة تبخّر، كل ما هو صلب يذوب هواء. أشياء كثيرة لا تذوب. عرق الخزي الدبق الناجم عن الجيوب الفارغ. جبهة والدي دائما كانت مبتلة، كما هي جبهتي.

ليست كل آبار المياه كريمة كفاية لتتبخر. ليلى، يوسف، جدتي، وأمي. ما يوحدهم هو علاقتهم الحميمة بآبار المياه. لا أحد منهم تبخر. أمي تعرضت للضرب قرب واحدة، بينما اختبأ الآخرون داخلها: ليلى بسبب الحب ويوسف بسبب الله وجدتي لتهرب من أيادي الجنود الروس المغتصبين. عندما كتبت تلك القصة عن بئر ماء، بصدمة أي جيل كنت أتمسك؟ ومن نسل أي منهم أنحدر؟

الفرق بين المحيط وقطرة ماء لا تحكمه الفيزياء، بل ببعدهم عن الموتى. “البحر تاريخ”1، يجمّع كل العظام. بينما ينبغي لقطرة الماء أن تخترق التربة لتلتقي جذورها، طريق أطول من أن تتحمله.

عمري سبع عشرة سنة، والعام 2009. حتى الله يبكي دما، ويجعلني أفهم أن بئر الماء لم تعدنا بالسحر، بل الشوارع. شيء ساحر بشأن الشوارع في إيران. تستقبل الدماء ولا تبخرها. بل تعطي المزيد والمزيد والمزيد. لكن ماذا يحدث إذا بكت الآلهة طويلا؟

كان التواصل بين آبار المياه والسماء دائما  غامضا. لا تعد السماء دوما بقطرات الماء. قد تخدعنا، فنعتقد الغيوم آلهة، طائرات الدرون كغربان ميتة، والحجر شُهبا.

عمري سبع عشرة سنة، والعام 2009. ككل جيلي، أقف على حافة الفهم: أعيش في خضم مسح الذاكرة. التسامي2. لا دخل للسوائل. تتسرب سياسات النسيان القسري إلى وعي جيلي كضباب غادر، ضباب يجمد الأعصاب. نتعلم أن ما نشهده، ما نعيشه، ما نراه بأعيننا وما نسمعه بآذاننا ونحسه في قلوبنا ينبغي أن يبقى همسا، نصف مكوّن، بالكاد منطوقا. نتعلم سريعا أن الحقيقة غير شرعية، وواقعنا مرفوض كمؤامرة، وحياتنا مختزلة إلى خيال مختلق وخاطف. يصبح تاريخنا كالجرح مخدوشا ومزالا، نُسمى: خَس و خاشاک، أغصان وقش، وتسمى تواريخا خشک و خالی، بعضنا يتحول إلى آبار ماء، جافة متبخرة. البعض لا. تنبت الجروح الجديدة فوق النتوء القديمة، تعد بالرطوبة. صار صراعنا حول إبقاء الجروح مفتوحة.

“مرّة بحثنا عن الشفاء في الماء، لكن الماء لا يعيد الموتى. والآن نلتفت إلى الحكايات الملموسة من أجل العزاء”.3

عمري سبع وعشرون سنة، والعام 2019. تدور الرحى حول السوائل: القطرات والضباب. ارتفاع أسعار المحروقات كما الدم فوق تساقطات الثلج الأولى شهر نوفمبر. الوحل والزحام والنار والثلج ورائحة الإطارات المحروقة وصمت النوافذ المهشمة. الصحف تهين الغضب. الموتى كثُر، لم نعد أرقاما. اختفت الرسوم البيانية. الظاهر أنه هذه المرة لا داعي لتفسير الأرقام، فالفتنة لا تموت، ولا إهانة أولئك المشغولين بالفتنة.

عمري ثماني وعشرون سنة، والسماء لا تزال تمطر. هذه المرة، هي الأجساد المتهاوية من طائرة، لم ينج أحد، فقط أشلاء اللحم والذكريات المتناثرة. تصل الجرافات قبل سيارات الإسعاف، تكشط بقايا الحياة والتاريخ من على الأرض. لا كوب ماء بل بئرا كاملة ملأى بالإسمنت، تسويها بالأرض كأنها لم تكن موجودة أبدا.

عمري ست سنوات، أنهي ربما القصة الوحيدة التي أرى لها نهاية، أعرف بشكل ما أننا سنعيش العديد من النهايات بلا نهاية.

العمل الفني: تیرداد هاشمی وسوفیا عرفانیان

الماء: ما ليس مبلولا ولا قادرا على جعل أشياء مبلولة.

البلل: استحالة الارتباط، اللمسة القائمة بين جسد الأرض المحروق والندى المتحدي الذي يسقط ويحفر ويقطر، آملا في بلوغ نواة زهرة توليب حية في العمق.

عمري إثنان وثلاثون سنة، وأنتمي للجيل الذي ولد بعد الحرب الإيرانية العراقية، بالكاد أتذكر الناجين المنفيين من المجازر، أسماء وأرقام ومقابر جماعية وقتل جماعي. ترعرعنا في نقلة ما بعد الحرب التي شهدها الاقتصاد السياسي للدولة، وقضينا مراهقتنا المضطربة مجروفين في أول انتفاضة سياسية “كبيرة” في إيران بعد 1979.

يتمسّك تاريخنا فقط بالخيطان الرفيعة مما نتذكره، محفوظة في مقاطع فيديو منقطة ومبكسلة، وصور التقطت في أفضل الأحوال بكاميرات 3.2 ميغابيكسل، شوركت عبر ناقلات بلوتوث عابرة، ونشرت على حسابات فيسبوك مهجورة، مرفوعة على يوتيوب بلا هوية، ومحفوظة في أجهزة هشة، محكوم عليها بالتحلل مع الوقت. المساحات التي شغلناها يوما، الشوارع التي ركضنا عبرها بنفس واحد، الأزقة التي اختبأنا فيها، الأيادي التي تشبكنا بها، المناشير التي وزعنا، زعيق السيارات المتحدي، جفّت كلها وتحللت إلى خطوط شبحية لاضطرابات متلاشية.

الرطوبة: غصن نبتة رقيق ينبت في الموسم الخطأ مصدوما من منظر الثلوج المتساقطة.

هل الذاكرة العابرة للأجيال كقطعة قماش رطبة، تمتص شظايا دم وعرق ودموع أشباح وأرواح عديدة، تاركة خلفها بقايا ما كان يومًا سوائل محروقة؟ أم أنها كقعر بئر، لا هي تبلعنا في نهاية قصتنا لنعود للجفاف العنيف ولا هي تمنحنا ملجأ مؤقتا؟ هل الجفاف أثر للرطوبة، والرطوبة لقطرات الماء، والماء للبحر، و”البحر تاريخ” يتمسك بالموت؟ عودتي لشظايا قصة كتبتها في عمر السادسة، هو فوق كل شيء، محاولة فهم الذخيرة التي تركتها القصص العابرة للأجيال عن الشح والفقدان والاستحالة والعزلة، اعتراف بأن الجفاف عابر. خلف كل لحظة قاحلة، ربما كانت هناك محاولة للبلل، كوب ماء مصبوب عمدا، حتى وإن هزمته شدة الشمس وقساوة الأرض. لكنه مصبوب، حصل ذلك بالفعل. البلل مناعة ضد التلاشي، وعلينا الاستمرار في العمل للحفاظ عليه.

البلل: العرق
البلل: ندى الذاكرة
البلل: آثار غير مفهومة للماضي المتلاشي
البلل: الاستحضار والتذكر

عمري تسع وعشرون سنة والعام 2022. يبدو أن قصصنا دائما ما تبدأ في خضم قصص غير منتهية. طبقات فوق طبقات، يثقل العنف أكثر، والوجوه التي كنا نعرفها في السابق تتلاشى خلف ما ينبغي علينا خوضه الآن. الضباب أرشيفنا. أن نحكي في الضباب المغبر، مجبرين على نسج سردياتنا وحفرها في آبار التاريخ بأظافرنا الضعيفة. بئر ماء، نحفر وننقش قصتنا، ونلقي كوب الماء الوحيدة التي نملك إلى أعماقها، ونراقبها تتبخر وتتلاشى، ثم نحفر مجددًا، نصب أنفسنا هناك مرارا.

عمري تسع وعشرون سنة والعام 2022، انتفاضة جينا. آبار المياه ملأى وتفيض. رطوبة القطرات تتحول إلى طوفان يتجرأ على البحر، يتوق لبلوغه. نشرب من آبار مياه أمهاتنا وأخواتنا. لا نتلاشى، خیس و پُر، رطبة وزاخرة.

عمري اثنان وثلاثون سنة، ولن أعود لعمر السادسة مجددًا،  هذه هي حقيقة الزمن الخطي المؤسفة، ولا أنوي إعادة كتابة القصة التي كتبتها آنذاك. لا أخلط بين الغيوم والله، لكني قد أقرأ لها الشعر. الآن وأنا قادرة على تحمل تكاليف السفر بالطائرات العابرة بين السحاب، لا زلت أتفاجأ بأنها ليست صلبة كما ظننت. الفرق هو أني أخيرا قرأت القصة على مسامع والدتي. كل ما أريد هو أن أفهم كيف عرفت بشأن آبار المياه قبل أن تخبرني هي بما حصل قربها، لها ولوالدتها ولآخرين كثر.

ماذا عن هذه الآبار؟ عن هؤلاء النسوة اللاتي وقفن على حافتها أو رمين داخلها؟ ماذا عن أغانيهن وصمتهن؟ ماذا عنا؟ ماذا سيحصل لنا؟ “ربما سمعت عنها عندما كنت في رحمي” تقول أمي، ضاحكة بلطف. “هل هذا ممكن؟” أسألها. “كل شيء ممكن في الرحم، من ماء ودم، أصل الحياة” ترد، ضاحكة من جديّتي بشأن قصة طفلة في السادسة. “أذكر رؤيتك تؤدين شيء للغيوم، لم أرغب في مقاطعتك، كنت في غاية الجدية.” ليس لي أماني غير الطفو في تلك الضحكة أو في رحمها، مرة أخرى.

الرحم: خیس و پُرر- رطب وزاخر.
الرحم: بئر ماء ينقل رطوبة الذكريات، يقطر إلى الحياة التي تخرج من الماء والدم.

  1. ديون براند. خريطة إلى باب اللاعودة: ملاحظات حول الانتماء  
    Dionne Brand. A Map to the Door of No Return: Notes to Belonging. (Doubleday Canada, 2002), pp. 11.
  2. Sublimation.
  3. جمانة إيميل عبود. أخفِ مياهك عن الشمس: عرض لمياه حيوية. من كتاب “بيئات مزقتها الحرب، شظايا لا فوضوية: تأملات من الشرق الأوسط”
    Jumana Emil Abboud, ‘Hide Your Water from the Sun: A Performance for Spirited Waters’, in War-torn Ecologies, An-Archic Fragments: Reflections from the Middle East, ed. by Umut Yıldırım, Cultural Inquiry, 27 (Berlin: ICI Berlin Press, 2023), pp. 121–38.